اللقطاء أو من يسمون في بعض الأماكن بـ (عيال البلد) إشارة إلى أن الدولة تتحمل مسؤوليتهم بشكل تام وتوفر لهم من يقوم برعايتهم واحتضانهم من خلال دور الرعاية الخاصة، وتوفر لهم المأكل والملبس وتدمجهم مع كل شرائح المجتمع من خلال إلحاقهم بالمدارس الحكومية، ثم تتولى تهيئة الفرص الوظيفية المناسبة لهم، وتتولى تزويجهم إذا بلغوا السن التي تؤهلهم لذلك. اللقطاء.. وهم الذين تم التقاطهم من الشارع بعد أن تخلص منهم ذووهم بعد الولادة مباشرة وذلك بإلقائهم في أماكن تمكن العابرين من التقاطهم، خوفا عليهم من الموت، يكونون في الغالب نتاج علاقة غير شرعية، رغم وجود أسباب كثيرة حسب رأي علماء الاجتماع تجعل الأهل يتخلصون من أبنائهم بهذه الطريقة، خوف العار والفضيحة.
هذا عن وضع اللقطاء صغارا، لكن ماذا عن وضعهم عندما يصبحون شبابا؟
في الحقيقة، إن معاناة اللقطاء تبدأ باكرا، ومنذ وصولهم إلى سن المدرسة، حيث يبدأ الإدراك مبكرا عند الأطفال زملاء الدراسة من حول الطفل اللقيط وتبدأ التساؤلات عن مسمى (أطفال الدار) التي ينعت بها الأطفال اللقطاء في مدارسهم، حيث يتم شرحها مبدئيا بأنهم يتامى بلا أم أو أب؟ حتى ينمو الوعي ويتشكل فيدرك هؤلاء أن اللقطاء هم الذين رفضهم آباؤهم وأمهاتهم وألقوا بهم على قارعة الطريق، ومن هنا تبدأ النظرة للطفل اللقيط بالتشكل، فيصبح متهما في نظر زملائه وبعض معلميه للأسف، فكل سلوك مشين يحدث في المدرسة تتوجه أصابع الاتهام فيه لأبناء أو بنات الدار، على اعتبار أن هؤلاء ليس لديهم سلطة أسرية أو أبوية يخافونها في المنزل.
وتستمر معاناة اللقيط في إثبات تهمة دائمة قد لا يعرفها حتى هو. حتى إذا شب عن الطوق دخل في مواجهة مباشرة مع مجتمع يؤمن حتى في أوضاعه العادية بسطوة (الحسب والنسب) حد التقديس، فلا يتم النظر إلى الشاب اللقيط على أساس مؤهله التعليمي أو الأكاديمي ولا قدراته العقلية ولا صفاته الخُلقية ولا حتى الخَلقية، بل إن هذه المعايير كلها تتطاير أمام ما يواجه به اللقيط من عنصرية مقيتة في التعامل معه ووصفه تطرفا وظلما بأبشع الصفات التي لا ذنب له فيها. فليس من حقه مصاهرة هذا المجتمع والاقتراب منه والاندماج فيه حتى لا يلوث دم المجتمع العنصري، الذي يعتبر اللقيط رقعة شاذة يجب أن تستبعد حتى لا تلوث نسيجه البراق. مجتمعنا لم يستطع على اختلاف شرائحه ووعيه وطبقاته أن يهدم حاجز الغربة الشعوري والوجداني الذي يعيشه اللقيط بيننا، حتى ينتهي به الحال مهاجرا، لأن هويته الوطنية لم تفلح في منحه هوية اجتماعية فاعلة.