من وجهة نظري أن الفساد بصفة عامة ليس مقصوراً على الفساد المالي، وليس هو الوحيد المعني بالمكافحة والمحاربة فتعريف الفساد من وجهة نظري هو كل عمل غير نظامي يلحق ضرراً بالمجتمع ومؤسساته بصورة مباشرة أو غير مباشرة وبجميع الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، ولهذا فإن قصر مكافحة الفساد على الجوانب المالية يعتبر قصوراً في وجهة نظري الشخصية لأن اختراق الأنظمة والقوانين واللوائح يعتبر فساداً إدارياً وعدم تطبيق الأنظمة والقوانين واللوائح يعتبر فساداً في تطبيق الأنظمة والتهرب من دفع الضرائب ودفع الزكاة ودفع الرسوم النظامية يعتبر فساداً يضر بالمجتمع وكذلك الفساد الثقافي عند نشر فكر يلوث ثقافتنا عبر وسائل الإعلام المختلفة وعلى وجه الخصوص الفضائيات والإنترنت وغيرها من الوسائل الحديثة، ووسائل وطرق نشر الفساد عديدة ومنها الفساد الإداري وذلك عندما تتخذ قرارات إدارية خاطئة أو وضع خطط واستراتيجيات خاطئة وغير مبنية على أسس علمية تؤدي في النهاية إلى إلحاق ضرر غير مباشر بالمجتمع. ورغم أن موضوع الفساد موضوع مهم وأساسي لإصلاح المجتمعات إلا أنني قد أحتاج إلى مجلدات لحصر أنواعه وأساليبه. وسأركز في مقالتي اليوم على بعض أنواع الفساد في القطاع الخاص وهي كثيرة وأعتقد أن القطاع الخاص هو أحد الأسباب الرئيسية في الفساد المالي والإداري وأيضاً بدون الدخول في تفاصيل دقيقة إلا أنني أعرض اليوم نموذجاً لإحدى أكبر شركات القطاع الخاص في مجال المقاولات الحكومية ذات التعمير المباشر دون الدخول في منافسات عامة ويقال إن السبب في ذلك عامل الوقت أي التنفيذ السريع في وقت قياسي لإنجاز مشاريع سريعة وعادة تكون بأسعار خيالية تصل أحياناً إلى ثلاثين أو خمسين ضعفا عن الأسعار السائدة في الأسواق، وفي غالب الأحيان تكون هي المقاول وهي المشرف الهندسي وتمنح هذه الشركة كامل الامتيازات والتسهيلات ويسمح لها باستقدام الآلاف من العمالة الأجنبية وتحرص هذه الشركة أن تستقدم العمالة من دولة مالك الشركة وعلى وجه التحديد من المدينة التي ينتمي إليها فتمارس العنصرية حتى على أبناء دولته وتمارس الإقصاء والاستبعاد للعمالة السعودية المؤهلة والمتخصصة وتحرم المهندسين السعوديين من المشاركة في العمل في مشاريع بلادهم الأساسية. بل يحارب السعوديون الذين بقدرة الله استطاعوا دخول الشركة للعمل في إحدى الوظائف البسيطة ويستبعدون من الوظائف القيادية بحجة عدم كفاءتهم رغم أنهم أكثر تأهيلاً وقدرة على أداء العمل وتمارس عليهم ضغوط لدفعهم إلى الاستقالة أو مراقبتهم والعمل على تصيد أخطائهم لفصلهم، وتمتنع هذه الشركة من تطبيق قرارات السعودة ولا تضع أي خطط للسعودة وتبرر موقفها بأنها تنفذ مشاريع حكومية عاجلة وتستفيد من آلاف التأشيرات الممنوحة لديها لتغطية احتياجاتها في المشروع وتمنح بعض التأشيرات لبعض أصدقاء وأقارب كبار المسؤولين فيها لدخول المملكة على كفالة الشركة ولكنها تعمل لحسابها الخاص وأحيانا لتكون مؤسسات مقاولات صغيرة تُمنح مقاولات من الباطن من مشاريع الشركة الأم ويُحرم المقاولون السعوديون الصغار والمتوسطون وتستورد الشركة الأم جميع احتياجاتها للمشروع من خارج المملكة في الوقت الذي بالإمكان تأمين معظم احتياجاتها من مصانع سعودية ومنتجات سعودية وذات جودة عالمية وبأسعار منافسة إلا أن الشركة تتعامل مع العامل السعودي والمنتج السعودي وكأنهما من الممنوعات في التعامل رغم أن قيمة العقود المفتوحة التي تحصل عليها هي عقود وبقيم خيالية، لا أعلم كيف كان تسعير قيمة العقد وما هي الشروط ومن يتابع تنفيذ هذه العقود؟ وفي بعض عقود التشغيل والصيانة التي تقوم بها الشركة لمصلحة أحد المشاريع الحكومية تسعر الشركة قيمة العمالة حسب الجنسية وتأتي الجنسية السعودية هي الأقل في المرتبة وجنسية مالك الشركة هي الأعلى حتى وإن كانت الجودة أقل وتسعر قيمة النقل والإعاشة بأضعاف مضاعفة على المشروع الحكومي ورغم أن من يقوم بها ويقدم الخدمة سعوديون ولكن بأسعار مبخوسة. ومن يرفض الأسعار يحرم من المشاريع الحالية والمستقبلية ومن يعترض من الشباب السعودي يُفصل أو يُدفع إلى الاستقالة، ولا يتم دفع حقوقهم إلا بمعاناة كبيرة ويخشى الشباب أو صغار المقاولين السعوديين من الشكوى نظراً لأساليب الترهيب التي تمارسها الشركة والزج بأسماء بعض كبار الشخصيات للتخويف رغم أن النظام وضع ليطبق على الجميع الكبير قبل الصغير وأن التفرقة في تطبيق النظام سوف تسبب نقمة اجتماعية وأن ترك الباب مفتوحا لعبث بعض شركات المقاولات الكبيرة سوف يحدث غضبة عنيفة لدى مؤسسات المقاولات الصغيرة والمتوسطة ولدى المصانع والموردين السعوديين، وأن عدم تطبيق نظام السعودة الذي تم فرضه مؤخراً على شركات المقاولات الكبيرة سوف يدفع المقاولين الصغار إلى رفض التطبيق ولهذا أنادي اليوم بالعدالة في تطبيق الأنظمة.
أما عن دور هذه الشركة الكبيرة التي تعمل في مجال مقاولات المشاريع الحكومية في مجال المسؤولية الاجتماعية والبعد الاجتماعي في العمل فهي متميزة لأبناء بلد مالك الشركة، حيث تم ابتعاث حوالي عشرة آلاف من مواطنيه من الطلبة لتكملة دراساتهم في الولايات المتحدة وأوروبا على حساب أرباح الشركة التي حققتها من أعمال مشاريعها الحكومية في المملكة ولم أجد في قوائم المبتعثين على حساب الشركة سعوديين أو خليجيين أو عربا من غير جنسية مالك الشركة، ولم أجد أعمالا ذات بعد اجتماعي للشركة في السعودية فلا أعلم لمصلحة من يكون هذا؟ وهل يكفي لأن يكون لمصلحة ملاك الشركة ومن يقف خلفها فقط ولا يستفيد المجتمع من هذه المصلحة؟ سؤال كبير أطرحه اليوم متمنياً أن يجد جواباً مقنعاً. وأخيراً لئلا يكون طرحي اليوم نسجاً من خيالي فأنا أحتفظ باسم الشركة وبأعمالها وأحتفظ بأسماء بعض موظفيها السعوديين الذين نقلوا معاناتهم وهم على أتم الاستعداد لنقل مزيد من المعاناة لمن يرغب أن يحصل عليها من الجهات الرسمية.