من أغرب النصائح التي قرأتها في السنوات الأخيرة تلك النصيحة التي أهداها أحد المحاضرين لطلاب وطالبات يستعدون للسفر إلى خارج المملكة لإكمال دراستهم على برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي. حيث جاءت النصيحة "المشددة"، مؤكدة على أهمية أن يبتعد المبتعثون عن أي حوار في السياسة والدين!. ولأن خبر النصيحة الذي نشر في"الوطن" قبل أكثر من أسبوع، لم يوضح التفاصيل الدقيقة لما يرمي إليه هذا الناصح، فإن مجرد الحديث بهذا الشكل العمومي عن موضوعين" كالدين والسياسة" يعتبران من أهم الموضوعات التي تتحدث فيها جميع شعوب الأرض، بل ومن المؤكد أن المناهج التي يدرسها المبتعثون تحتوي على الكثير من الحديث حولها أقول إن الحديث بصيغة التحذير هذه عن الخوض في قضايا فكرية يخرج الابتعاث عن أهم مقاصده وهو تأهيل جيل يعي متغيرات الحياة، ويتعامل معها بموضوعية وعلمية، لأن الجميع يدرك ـ حتى صاحب النصيحة ـ أن النقاش الفكري وتلاقح الثقافات وتبادل التجارب الإنسانية، ستكون أمرا حتميا في مجتمعات مثل المجتمعات الغربية، لذلك فالأهم هنا أن نزرع الثقة واحترام الآخرين وعقائدهم وأساليب حياتهم في نفوس من يمثلوننا في شتى أصقاع الأرض، قبل أن نرسلهم إلى هناك. ومع ذلك أعتقد أن ما يرمي إليه الناصح هو ما ذكرته سابقا من عدم التدخل في معتقدات الآخرين الدينية والسياسية بالقدح والانتقاص، وهو أمر جيد إن كان كذلك.

لكن المهم هنا: هل سألنا أنفسنا، لماذا لا يجيد معظم طلابنا وبعض ممثلي البلد في الخارج التعاطي مع الآخرين في النقاشات الدينية والسياسية مثلا؟ وهل وسائلنا وطرقنا في التعليم والتثقيف اليومي التي نهل منها (الطالب/ الطالبة) مخزونه الثقافي والسلوكي تعطي حصيلة معرفية، تجعله مؤهلا للنقاش العلمي في قضايا دينية وسياسية مبنية على فلسفات إنسانية عميقة؟

متى كان المعلم لدينا مشجعا ومساعدا للطلاب على القراءة الحرة في جميع العلوم والأفكار الإنسانية؟ فبدلا من فتح مساحات للحوار الفكري الخلاق، نجد من يتصدى للأمر بحواجز وهمية من قبيل "سد الباب"، ثم فتح النار الاجتماعية والثقافية على كل من يحاول التفكير والتساؤل، وتوزيع التهم والتصنيفات عليه، حتى يصبح عاجزا حتى عن الحديث مع ذاته فما بالك مع الآخرين!

فمتى تتصدى مؤسسات التعليم العام والعالي لهذه المهمة وتبني أجيالا واعية تستطيع أن تناقش وتحاور بكل ثقة وعمق.