الزيف والفساد والغش ليس، فقط ، في دكاكين الزوايا المظلمة ولا في مخازن الصناعات المقلدة الآتية من منافذ التهريب طلباً للمكسب المادي. ولا يقتصر جرمها على "حظيرة" الجهاز الإداري الذي تفوح روائحه في السنوات الأخيرة، ولا يروج لها الغرباء، كما نقول دائماً، فالغش تتسع دوائره بين الأهلين وغيرهم - لأنه ليست له جنسية كما ليس للضمائر الحية أعراق وقبائل- وتتمدد مظاهره على مساحات أوسع في خريطة المجتمع ونشاطاته، حتى بات يؤرق الكثيرين. ولم تعد أسبابه ودوافعه مقتصرة على ما يجلب المكاسب المادية من أجل تكثير الثروة بل تجاوزتها إلى تزييف العلم وترويج الألقاب الفارغة التي يخدع بريقها الناظرين. وظاهرة "الألقاب" والحرص عليها واتخاذها وسيلة لستر الضعف وقلة الحيلة، والظهور بما ليس فيه الإنسان مسألة قديمة قدم فساد الضمائر المصاحب لخواء النفوس وضلال العقول..لكن السمة الغالبة على ثقافة أهل هذه الأرض، إلى سنوات قريبة، كانت البعد عن "الزخارف" الخادعة والميل إلى التواضع واحترام أهل المعرفة الحقة بل، والضيق بما يزحف على البيئة من ألقاب تسلب المرء جمال البساطة وصدق الفطرة. كتب الأستاذ محمد عمر توفيق، الأديب الوزير والأستاذ الجليل – رحمه الله – ذات يوم مقالاً عن "الألقاب" التي باتت تزاحم الفطرة والبساطة ووصفها بأنها "طراطير" توضع على الرؤوس في بادئ الأمر ثم لا تلبث أن تغدو من المستلزمات التي لو نزعت عن أصحابها لشعروا بالنقص يعتريهم. وتمنى العودة إلى زمن الفطرة والبساطة والسماحة، "فما أجمل أن يدعى المرء باسمه مجرداً، وإن أوغلنا في التعريف أضفنا اسم الأب إلى الاسم أو الكنية، ولن نحتاج بعد ذلك إلى إضافة "طراطير" جديدة". وهذه "الشكوى" تعبر عن الواثق من نفسه، المطمئن إلى قدره في نفوس الناس، بلا زينة زائفة أو طلاء مفتعل لا يلبث أن يتساقط عند أول لمسة فحص.. حديث من تكسوه محبة الناس وتغمره ثقتهم النابعة من علمه وخلقه وأدبه، فلا يحتاج إلى ما يداري "صلعته" الثقافية أو يسمد صحراء معرفته أوينظف أحراش ضميره، أما "الأرجوزات" من أدعياء العلم والثقافة فإنهم أحرص ما يكونون على "طراطير" الألقاب المنسوجة من "شهادات الزور" التي يتسابقون على اقتنائها من "دكاكين" فساد الضمائر المنتشرة في المنطقة العربية بعد أن صار الخواء محركاً لسوق هذه البضاعة الفاسدة. و"الألقاب"، في حد ذاتها، وإسباغها على مستحقيها ليست عيباً ولا دلالة على فساد ضمير أو ضحالة معرفة أو رغبة في الظهور، فأهل "المفاءة" لا يحرصون على أن تسبق أسماءهم ألقاب، فالناس هم من يطلقون عليهم تلك الصفات المعبرة عن الإعجاب والتقدير لعلمهم أو ثقافتهم أو مكانتهم التي استحقوها بالعطاء والبذل.. والألقاب التي نتحدث عنها "الطراطير" هي ظاهرة "مرضية" انتشرت في العقود الأخيرة مع الطفرة، التي بدلت حال الكثيرين فقفزوا إلى السطح من "بيت الدرج" وأصبحت الألقاب "زينة" يحرص عليها "الفارغون" من العلم ، "العراة" في حقل الثقافة. ومع التسليم بأن "الشهادات" أصبحت هي وسيلة العصر لإثبات أن إنساناً ما تلقى العلم المقرر في جامعة أو معهد معروف. وأن الطريقة القديمة التي "يتقدم" فيها أهل العلم ويحصلون على الاعتراف بالتفاف الناس حولهم وثقتهم في ما لديهم لم تعد كافية لتوزيع الحقوق بعد تعقيد الحياة وضرورة الحفاظ على المساواة في الفرص.. ولكن مع الإقرار بهذا الأمر إلا أن ثقافة المسلمين ومناهج علمهم ومكانة صاحب العلم بينهم تحتفظ لنفسها بقدر من "الاعتزاز".. فمثلاً عرفت هذه الثقافة لقب الفقيه أو الشيخ للدلالة على المكانة العلمية، وهذا اللقب الآن يتراجع لصالح لقب آخر ليس له أصالة في الثقافة الشرعية وهو لقب دكتور.. وأصبح طلبة العلم الشرعي "يتهافتون" على هذا اللقب ويحرصون على حمله ويشعرك أحدهم أنك قصرت في حقه إذا لم تناده به في كل مرة تتكلم معه حتى أصبح "لازمة" في الحديث فأنت مقصر إذا قلت لأحدهم، وأنت تحاوره: يا شيخ بدلاً من يا دكتور. ونسمع ألقاب، الأستاذ الدكتور الشيخ، وإذا بحثت عما وراءها تصدمك الحقيقة التي تقول: إن "الأستاذية" كانت عن تحقيق (وريقات) من كتاب لأحد الأعلام الذين لم يفخروا "بالأستاذية".. ونسمع في الحوارات الإذاعية والتلفزيونية الباردة والماسخة ألقاب الأستاذ الدكتور، أستاذ التربية والخبير– وإذا فحصت ونقبت في سجلات مكتبات الجامعات ودور النشر لعلك تعثر على الرسالة "الفتح" التي أضافت للعلم أو رصدت ظاهرة، لن تجد شيئاً، وقد تفاجأ بأن "الأستاذ الدكتور" حصل على هذا اللقب عن أبحاث "مكرورة" كلف بها بعض تلامذته ومررها بعض أصحابه في لجان الترقيات.. وحتى لا يغضب من يظن أنني استهدفت الشرائح التي ضربت بها المثل أقول إن الوسط الإعلامي والصحفي – بصفة خاصة – مبتلى بظاهرة "جمع" الألقاب وشهادات الزور والاحتفاء الغبي بحرف (الدال) حتى لكأن هذا الحرف هو جواز مرور لمن يريد أن يكون له مكانة.. وللأسف فإن بعض الجامعات ينطلي عليها هذا الزيف وقد تسهم في تشجيعه بطريقة غير مباشرة حين تدعو بعض لصوص ومزوري الشهادات ليكونوا أساتذة متعاونين في مجال لا يحسنونه دون أن تفحص صحة ومصداقية ما يحملون من "صكوك".

ياترى ماذا سيقول الأديب المطبوع والوزير المشهور محمد عمر توفيق – رحمه الله – لو عاد إلى دنيانا ورأى ما نحن فيه من تمدد "الطراطير" الكبيرة على الرؤوس الصغيرة؟