صوت الإنذار الذي تُطلقه سيارات الإطفاء والإسعاف والشرطة.. يحتاج (عقولاً) صاغية، لأنه رسالة إنسانية يقصد منها فسح الطريق لاختصار إنقاذ الأرواح وأداء العمل دون معوقات، وكل ثانية تضيع هي هدر للبشرية وقيمتها.
والإنسان على كل حال بطبيعته ميالٌ إلى الفضول وحب الاستطلاع، ولكن القصة تبدأ عند تحول ذلك إلى (عادة) تطفل؛ فتبدأ بالرغبة ثم تنتقل معرفةً ثم تصل مهارةً، كما ذكر ذلك علماء النفس، وفي كثير من حوادثنا نجد أن التجمهر شريكٌ رئيسٌ في تفاقم المشكلة؛ فبعض المتجمهرين يشق طريق الفضول لمعرفة الحدث، تشاهده ملاصقاً للباب الخلفي لسيارة الإسعاف أو الدفاع المدني حتى الوصول إلى موقع الحادث.. يقابله عثرة أخرى عند الحدث من المتجمهرين تسد طريق الإنقاذ بأشكاله، مع تكدس أرتال من السيارات والبشر لا حدود له، تتسبب في حادث آخر، تقتل المصاب اختناقاً، أو بتحريكه عشوائياً فتتضاعف إصابته.
الفضولي المتجمهر لاهم له سوى معرفة ماذا حصل؟ تجده يقف أمام الحادث محدقاً بعينيه، يسد الطريق، يهرول أو يقف على سيارته وأبوابها من أجل مشهد يراه، يريد التمركز في موقع استراتيجي للرؤية ولالتقاط صور للحادث وللمصابين والجرحى كانتهاك سافر لحقوقهم وحرمتهم، ثم تجده يتشدق في مساءاته كمحلل إخباري ومصور محترف بأنه شاهد عصر على الحادث ليزيد عبثاً في فضوله، أما (المتربص) منهم فهو من نوع آخر ليتعدى إلى سرقة المصاب وسيارته وأغراضه.. فأي قلوب هي تلك؟.
التجمهر فيه استجابة لطبيعة النفس البشرية وفضولها وهو ظاهرة موجودة في كل دول العالم وليست حكراً على دول دون غيرها، ولكن الوعي وتطبيق القانون وتفاوته من مجتمع لآخر هي الفيصل دائماً في حضارات الأمم ورقيها.. أحد الزملاء يذكر لي مشاهدته في مقابلة تلفزيونية في قناة (Fox) الأميركية لمسؤول في جهاز الطوارئ الأميركي (911) المعني بكل الحوادث الطارئة، ذكر في اللقاء أن تجمهر الناس من غير ذوي العلاقة بالحادث يعيق وصول الجهات المختصة لإنقاذ المصابين وتلافي أضرار كثيرة وعواقب سلبية قد يسببها الحادث بنسبة تتراوح بين 20 بالمئة إلى 60 بالمئة.
لذلك نجد أن كثيراً من الدول المتقدمة عمدت إلى استخدام بعض التقنيات المستعملة كأساليب وقائية للحد من فضول الإنسان وصد للتجمهر، كأن تضع حزاماً أوشريطاً أمنياً يطوق الحادث ولا يسمح لأحد بالدخول فيه إلا للمتخصصين أو مسؤولي العمل فقط، ووصلت تلك الأساليب في حالات متقدمة ضد التجمهر إلى استخدام خراطيم يكون الماء فيها ملوناً يرشونه عليهم حتى يتسنى للشرطة التعرف على المتجمهرين والقبض عليهم بتهمة منع سير الإنقاذ، أو تعريض المصابين للخطر.. ومن ثم يحاكمون على فعلتهم!
جميع الجهات المعنية بالحوادث لدينا تؤكد دائماً أن التجمهر يسبب القلق لهم ويعيق عملهم ويهدر أنفساً أمامهم، ولذلك فإيجاد الحلول لهذه الظاهرة السلبية ومواجهتها ليس مستحيلاً بل يبدأ من تثقيف المجتمع وتكثيف توعيته، وتذكير مستدام من خلال عقد شراكات من كل دائرة مهتمة بإنقاذ البشر مع وسائل الإعلام والمدارس والجامعات والمنابر، يكون جزءاً من عملها إقامة محاضرات وندوات وعروض تصويرية تبين تسبب هذه الظاهرة في فقد الأنفس، مع سن قانون يحقق ردعاً حازماً لمثل هذا السلوك ضد هؤلاء الذين يعبثون بفضوليتهم ضد الإنسانية.
بقي من المتجمهرين أهل الفزعة والوفاء الذين تسري النخوة في دمائهم فلا ينتظرون توجيهاً من أحد، ينتفضون شهامةً في كل مكان من أجل إنقاذ روح أو الإمساك بها، يشحنون أنفسهم بطاقة ضخمة من الصمود والنبل وطهر الأرض، يرون الهروب ويخذلونه من قائمة خيارت الحياة ويختارون إجابةً وحيدة تقف على نبض أمل لفتح أبواب الحياة لغيرهم، وقد شاهدنا منهم الكثير، وهناك قصص عظيمة تُتلى على خريطة وطني نحو أواصر زراعة بياض النقاء وسط فواجع السواد!