لفظت سوزان آخر أنفاسها لتلحق بريم وغدير في حريق براعم الوطن، ربما هنالك أخرى في الطريق من اللاتي يرقدن على السرير الأبيض في رحلة الصراع مع الإصابات والتشبث بالأنفاس أن تنضب.
لا أريد أن أكون عاطفيا في حديثي عن الحادث، وزارة التربية والتعليم صرحت بمحاسبة المسؤولين، وهنالك موجة تصريحات قوية تشير بأصبع السبابة الشهيرة هنا وهناك لتلقي باللوم على شخص ما أو ربما جهة ما لتتحمل مسؤولية الحادث المرير.
هذا الحاث ليس الأول من نوعه ولن يكون الأخير، وإن كنت أرجو أن يكون كذلك، وهذه التصريحات العارمة والتوعدات المخيفة ستخفت شيئا فشيئا كما تعودنا من كثير من مسؤولينا، لأنها ردة فعل لحادث لاقى ضجيجا إعلاميا، وليست صوتا مرتفعا لخطة يتم تنفيذها شيئا فشيئا.
طالما أننا نعيش في دائرة ردة الفعل ستتبعثر جهودنا في التخبط بين قرارات عشوائية ومحاسبة لأشخاص قد يكون لهم دور فاعل في حدث معين، مع غفلة عن الأشخاص الذين لهم دور أكثر أهمية في معظم هذه الحوادث. ردة الفعل ستبقينا في دائرة "السبابة الطائشة" والملامة للغير لدفع المسؤولية فقط.
مع ارتفاع هذه الأصوات بشأن متطلبات السلامة في مدارسنا حتى فرغت لها أكثر من صفحة في معظم صحفنا طوال الأيام الماضية منذ اندلاع الحريق، أود أن ألقي بأسئلة تحيرني أتمنى أن تلقى إجابة وافية.
أين متطلبات السلامة في المساجد؟ فمعظم مساجدنا إن لم يكن كلها لا تنطبق عليها أدنى متطلبات السلامة في أماكن التجمعات، سواء كانت جوامع أو مساجد أو مصليات. أبواب ضيقة تفتح للداخل، ومساحات بلا طفاية حريق، ولا تعليمات سلامة أو نقاط تجمع. هذا في مساجد الرجال والحال في ملحقات المساجد الخاصة بالنساء أزرى وأسوأ. لو حدث حريق في مسجد هل سنلوم الإمام أو واقف المسجد أو الدفاع المدني أو الأمانة المعنية أو وزارة الشؤون البلدية أم إمارة المنطقة التي يقع فيها المسجد؟
أين متطلبات السلامة في المنشآت الحكومية ومباني الخدمات والوزارات الحكومية؟ زيارة واحدة للجوازات، أي من مكاتب العمل، الأحوال المدنية، وزارة الصحة، مباني المحاكم المستأجرة وبعض كتابات العدل، بعض المستشفيات والمستوصفات الحكومية تكفي لأن ندين كل مسؤول فيها عن عدم اهتمامه بأرواح موظفيه والمراجعين. هل ينتظرون أن تحدث كارثة مثل كارثة براعم الوطن لنبدأ بالتحذير والتنويه واستخدام السبابة الشهيرة والوعد ببدء إجراءات وضبط معايير السلامة؟
حين أثير هذه الأسئلة فأنا أتحدث عن المدن الرئيسة مثل الرياض وجدة والمنطقة الشرقية، ولا أتحدث عن المحافظات والمراكز الأصغر، والقرى والهجر البعيدة عن عين المسؤول التنفيذي في الوزارات مباشرة، والوضع هنالك بما لا شك فيه أسوأ من ناحية متطلبات الأمن والسلامة.
القائمة تطول والاستفسارات تكثر عن الحصر بشأن متطلبات السلامة، ولكن سؤالي الأهم بهذا الشأن هو: متى يا سادتي الكرام سنتحول من دائرة ردة الفعل وآلية "كبب وليس يطلع كويس" إلى دائرة التخطيط المستقبلي دون الحاجة لصفعة جديدة من حادث معلمات أو مقتل طالبات؟