الأخبار من سورية تنذر بالشؤم، فحسب التقارير ثمة قوات مدججة بالسلاح تحاصر مدينة حمص تمهيداً لدخولها عُنوةً.

وفي الوقت نفسه، ظهر الرئيس السوري على قناة (أي بي سي) التلفزيونية لينفي مسؤوليته عما ترتكبه القوات المسلحة من أعمال. وقد تكرر إنكار الحكومة مسؤوليتها عن العُنف، ولذلك فمن المنطقي، كما يقول البعض، أن يتدخل العالم لحماية المدنيين الذين فشلت السلطات في تقديم الحماية لهم.

ومع الأسف فإن الكارثة التي توشك على الوقوع في حمص لن تكون الأولى، ففي بداية الأزمة تعرضت مدينة درعا في جنوب البلاد لحصار مماثل أعقبه هجوم مسلح تحمل تبعاته المدنيون الأبرياء. وفي عام 1982، استُبيحت مدينة حماة، بحجة مطاردة حفنة من المتمردين، وتعرضت لكارثة إنسانية بعد معركة غير متكافئة بالأسلحة الثقيلة، مما تسبب في مقتل آلاف المدنيين وهدم وتخريب أجزاء كبيرة من المدينة. فهل ما زال ثمة متسع من الوقت لتجنيب حمص مصيراً مشابهاً؟

ومن الواضح أن ثمة مسؤولية دولية وإقليمية لحماية المدنيين السوريين، دون الدخول في النواحي السياسية للنزاع، والتي يجب أن تُترك للسوريين أنفسهم.

ولكن ثمة شللاً واضحاً حتى الآن في الحراك الإقليمي والدولي لحل الأزمة وحماية المدنيين. فالمبادرة العربية ما زالت تراوح مكانها، وعلى الصعيد الدولي، ما زالت روسيا تقول صراحة إنها تعارض المحاولات في مجلس الأمن لاتخاذ إجراءات دولية لحماية المدنيين، وعبّر وزير الخارجية سيرجي لافروف بوضوح عن معارضته لتكرار السيناريو الليبي (حين أصدر المجلس وقتها قراراً بالموافقة على التدخل لحماية المدنيين).

وإذ ظل الطريق مسدوداً في إطار الجامعة العربية والأمم المتحدة، فإن من الممكن استطلاع خيارات أخرى، بما في ذلك ما أصبح معروفاً في القانون الدولي بمبدأ "التدخل الإنساني"، ويُقصد به التدخل لأسباب إنسانية، دون شرط الحصول على موافقة مسبقة. ويُشترط أن يكون التدخل لتفادي كارثةٍ إنسانية توشك على الوقوع، في ظروف ملحّةٍ غير قابلة للتأجيل. وقد تطوّر التفكير حول هذا المبدأ على مدى العقدين الماضيين، وتجذّر وتعمق بين علماء القانون الدولي، ولكن ما زالت ثمة معارضة من بعض التقليديين منهم ممن ما زالوا يقدسون السيادة الوطنية.

وسبب المعارضة للتدخل الإنساني أن ميثاق الأمم المتحدة في ظاهره لا يُجيز التدخل في الشؤون "التي هي في جوهرها ضمن اختصاص السلطات الوطنية" للدول الأعضاء. وفي ضوء هذا النص يُفهم الميثاق على أنه لا يُجيز استخدام القوة إلا في حالات الدفاع عن النفس، أو وفقاً للشروط المنصوص عليها في الفصل السابع من الميثاق، أي بموافقة مجلس الأمن.

وقد استخدمت الحكومات هذا التفسير للميثاق كسلاح تستخدمه لحمايتها من المساءلة الدولية مهما كانت الظروف. وتبعاً لذلك، فإنه إذا لم يتمكن مجلس الأمن من تحقيق إجماع يُجيز التدخل لحماية المدنيين فإن العالم يجب أن يظل مكتوف الأيدي مهما كانت فداحة الأفعال التي تُرتكب بحق المدنيين. ووفقاً لذلك، فإنه يجب ترك القوات السورية تهاجم المدنيين كما تشاء، احتراماً للسيادة الوطنية ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية.

ولكن هل حق السيادة الوطنية حق مطلق في القانون الدولي؟ ربما كان كذلك عندما كُتب ميثاق الأمم المتحدة عام 1945، وذكريات الحرب العالمية الثانية هي الهاجس الأول وقتها، وهي حرب بدأت بسبب عدم احترام ألمانيا لحدود جيرانها. ولكنْ منذ ذلك الوقت أُبرِمت عشرات المواثيق الدولية التي وضعت، تدريجياً، قيوداً على مبدأ السيادة الوطنية. ودخلت الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بمحض إرادتها، بما في ذلك سورية، في اتفاقيات تَحدُّ من استخدام القوة داخل حدودها، وتحمي المدنيين في النزاعات المسلحة، بصرف النظر عن المبررات السياسية أو العسكرية لاستخدام القوة. وأهم تلك الاتفاقيات مواثيق وبروتوكولات جينيف، واتفاقيات حقوق الإنسان.

وهناك مبرر آخر للتدخل الإنساني لا يقل أهمية، وذلك في الحالات التي تكون فيها السلطات الوطنية غير قادرة، أو غير راغبة، في اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين. وهذا هو الحال في سورية، إذ أعلن الرئيس السوري عدم مسؤوليته عما تقترفه القوات المسلحة وقوات الأمن من أفعال. كما أعلنت الحكومة السورية مراراً منذ بدء الأزمة أن العنف يُقترف من قبل قوات خارج سيطرتها، وتبدو غير قادرة على السيطرة عليها.

وهناك أمثلة عديدة للتدخل الإنساني الناجح، حين عجز مجلس الأمن عن التحرُّك بسرعة، ولكن بعض الدول تحركت، باستخدام القوة حين تدعو الحاجة، بهدف حماية المدنيين تنفيذاً لما تم الاتفاق عليه في إطار اتفاقيات حقوق الإنسان. ومن الأمثلة الناجحة مثال كوسوفو في عام 1999، حين عجز مجلس الأمن، بسبب الفيتو الروسي، عن إصدار قرار للتدخل لحماية المدنيين. ولكن حزب الناتو نجح في التدخل لحماية الأقلية المسلمة في كوسوفو.

وبلا شك فإن العمل من خلال الجامعة العربية والأمم المتحدة هو الوسيلة الأمثل، ولكنها ليست الوحيدة الممكنة في إطار القانون الدولي، فثمة خيارات أخرى، متسقة تماماً مع الشرعية الدولية، تتيح التدخل لحماية المدنيين في سوريه، دون التدخل في النزاع السياسي نفسه.