الكفر في اللغة الستر والتغطية؛ لذا أطلق الله تعالى على المزارعين مسمى الكفار فقال: " كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ"؛ لأن المزارع يستر البذور في الأرض، وكذلك يقول العلماء إن الكفارات سميت بذلك لأنها تغطي الذنب وتستره، ولا أعرف مرجعاً يفسر لنا سبب قول الرجل البسيط: "الجوع كافر"، هل لأنه أيضاً يستر العقول أم القلوب؛ فلا تعود تعي أو تفهم!
فكرت بذلك وأنا أعود إلى طاولتي في حفل زفاف ما، كنت صعدت إلى المسرح فيه مجاملة لأم العروس، فمررت بالمطربة لأجدها إحدى زميلاتي في الكلية، وقد ذكرت بعد أن أنهت وصلتها أنها عملت في مدرسة أهلية فوجدوها طويلة بما يكفي لتعلق لهم اللوحات في الممرات والفصول، ووجدوا خطها جميلاً بما يكفي لتكتب لهم السجلات، ووجدوها شابة بما يكفي لتدرس جميع المراحل، ثم اكتشفوا أن صوتها جميل فقرروا أن تحيي حفل التخرج، فقررت أخذها من قاصرها وأصبحت مطربة أعراس.
لعل زميلتي اتبعت الطريق الأقل ضرراً، فإن كان الغناء و"طق الطيران" غير لائق بامرأة متعلمة تحمل درجة جامعية؛ إلا أنه عمل شريف.
في الواقع، إن الفقر تفنن في فرض قوانينه ورسم خططه، فها هو يجبر كثيرين على التسول المقنّع، وأعني به كتابة المعاريض التي أصبحت ظاهرة.
وما دمنا في سيرة المعاريض، فإنه يروى من حكايات عصرنا الحالي أن شيخاً سبعينياً أغرته ظاهرة المعاريض فكتب معروضاً ذيّله بالشيخ فلان، عطفاً على كبر سنه فقط لا غير، ليصادف أن فخذه التي ينتمي إليها يتصارع على مشيختها رجلان، وبما أنه لم يترك أحداً دون قراءة المعروض عليه بادئاً بـ"طالبك وتكفى" منتهياً "بالشيخ فلان"، فقد انتشر خبر مشيخته بين الناس؛ ليهجم عليه متنافسا القبيلة ليحددا أين يجب أن تقف أحلامه، ليرد عليهما صارخاً مولولاً لست شيخاً لأحد، "أنا شيخٍ للشحاذين".
في الحقيقة، إن كل ما نراه من ظواهر دخيلة على مجتمعنا ـ مثل: النصب، والسرقة، ـ هي نتاج الحاجة، والفقر لا يأتي بخير، وكما قال أبو ذر – رضي الله عنه - في أثره العظيم الذي سيعجز علماء الاقتصاد عن الإتيان بمثله: "إذا دخل الفقر قرية قال له الكفر: خذني معك".