وأنا أراك في اليوتيوب قلت لنفسي: إنها أم كما أني أم مثلها، لذا دعيني أناديك بما نفضل أنا وأنت أن ينادينا الناس به، ولأني لا أعرف بأم من ينادونك فسأكتفي بكلمة "أم..."، وأكملي لي أنت الفراغ، ثم دعيني أحدثك عن ابن أم أخرى هي أم الجندي إبراهيم القرني، الذي ترك قريته في حضن الجبل وذهب ليعمل جندياً طلباً للرزق لينفق على إخوته وأمه، وأمام بوابة الأمن كان يقف فجر كل يوم يبني أمام ناظريه آلاف الأحلام، أولها يبدأ من لحظة استلام الراتب وآخرها الفردوس الأعلى؛ لأنه ـ يا أم ـ مسلم ومؤمن جداً ولا نزكيه على الله، ولا أظنك تجهلين أن للعسكر قلوباً مؤمنة وخاشعة كما أنت ـ يا أم ـ تماماً.

في نفس الوقت وبينما إبراهيم أمام بوابة الأمن كانت وجدان ـ وهي لها أم بالمناسبة ـ في فصلها تنتظر أن تمر الساعة لتعود إلى حضن أمها؛ لتمر عاجلاً كما تمر أعمار الورود، ويحصدها الانفجار الذي أعد له إرهابي له هو الآخر أم ابتلاها الله به، كما ابتلانا به لتموت وجدان وإبراهيم لأنه إن قتلهما سيدخله الله الجنة كما يتصور.

تعالي نفكر للحظة بحزن تلك الأم لحظة أخبروها بمقتل إبراهيم، ثم دعينا نتذكر أن أم وجدان لم تستطع استيعاب مقتل طفلتها فذهبت إلى السوق لتشتري لها لوازم المدرسة.

أعدت ـ يا أم ـ مشاهدة صور انفجار الوشم مرات قليلة، تمزق قلبي فيها بما يكفي، وأتمنى لو أمكنني أن أضع مقطعك بجوار هذه الصور لتكوني منصفة أنت وغيرك.

لدي صبي واحد ـ يا أم ـ اسمه عمر، هو في الصف الأول، وهو يجبرني على الاستيقاظ قبل الفجر لأنه يرفض أن يفوته النشيد الوطني، وذلك يسرني كثيراً، ليس فقط لأنه نشيد وطننا الجميل، بل لأن في كلماته ترفرف كلمة الخالق والإسلام أكثر من مرة.

عمر ـ يا أم ـ يريد أن يصبح طبيباً، وربما يغير رأيه ويصبح جندياً في جيش بلاده، وأنا أرجو له مستقبلاً مضيئاً وحراً، ومثل كثيرين أنا أعمل على ذلك، نعمل من أجل الإصلاح والتغيير والتطوير، لكننا لا يمكن أن نتطلع للمستقبل، وحتى لا يكون ابني ضحية لشخص غارق في أوهام تكفيرنا، شخص يظن أن طريقه إلى الفردوس يمر عبر جثثنا، شخص يؤلف الكتب المبيحة لقتل جاري وأخي وقريبي، وينشر فتاوى عن وجوب قهر وطني وأرضي وديرتي.

لذا سيفرحني كثيراً أن تقبض الشرطة على كل من تشك في أنه سيقوّض ذلك، أياً كانت نسبة شكهم, اعذريني فحياة عمر وأمن وطني ليسا لعبة، وحتى لا أفقد وطني وصغيري دعيني أبارك جهود وزارة الداخلية، وأدعوها لمحاكمة كل واحد من هؤلاء محاكمة عادلة علنية، فإذا كان ابنك بريئاً كما تقولين فسيحكم القضاة ونحن ببراءته، وإن كان غير ذلك فيتوجب عليك حينها أن تتطلعي إلى صورة وجدان وإبراهيم، فستخبرك أعينهما البريئة أن العدل لا بد أن يأخذ مجراه.