كان للتغيير الوزاري الأخير، والذي تم فيه تغيير حقائب أربع وزارات إلى جانب بعض المناصب العليا في بعض القطاعات الأخرى، ردود فعل إيجابية على المستوى الوطني بجميع طوائفه، مما يعكس تفهم ومتابعة القيادة العليا لرغبة وحاجة المجتمع المستمرة للتطوير والتحسين في الأداء الحكومي. وحتى نحقق أعلى عائد ممكن من هذه التغييرات، ينبغي أن ننظر أولاً إلى عملية إدارة أي وزارة أو هيئة أو مؤسسة حكومية على أنها منظومة متكاملة وليست فقط موارد بشرية. ثانياً، ينبغي أن ندرك أهمية تكامل وتنسيق العمل بين الجهات الحكومية، مما يعني أن التغيير على مستوى الأفراد والقطاع الواحد لا يمكن وحده أن يحقق التكامل المطلوب.
قد يكون التغيير الوزاري الأخير مدخلا وخطوة في هذا الاتجاه إذا ما أردنا وأراد الوزراء الجدد النجاح كجزء من منظومة الوطن التكاملي في تطوير وتحسين العمل في القطاعات الحكومية المختلفة التعليمية والصحية والبنية التحتية. وحتى نوضح أهمية إعادة هيكلة وسياسات وإجراءات العمل الحكومية وضرورة البدء في هذا الاتجاه، يمكن لنا النظر في أهم وأولوية الملفات التي تواجه الوزارات الأربع التي طالها التغيير البشري على مستوى القيادات.
أولاً: تمثل وزارة الاقتصاد والتخطيط أهم وأصعب ملف يواجهه العمل الحكومي، وكذلك الوزير الجديد. فعلى مدى تسع خطط تنمية وأكثر من (45) سنة، ما زالت وزارة الاقتصاد والتخطيط تعمل بمعزل عن الخطط التنفيذية والتشغيلية التي تتم داخل القطاعات الحكومية بشكل فردي، فكل وزارة تملك وكالة خاصة بها تعنى بجانب التخطيط والتطوير، وهي تحمل نفس الاسم، مما يعني أن جانب التخطيط ليس مركزيا أو كليا لكل القطاعات وإنما جزئي على مستوى كل وزارة ومؤسسة وهيئة على حدة، كما أن وجود وكالة داخل كل وزارة يعني تضاربا في المسؤوليات والأهداف بينها وبين وزارة الاقتصاد والتخطيط.
في المجمل، تواجه وزارة الاقتصاد والتخطيط الملفات الرئيسية التالية:
1. العمل على إعادة النظر في منهجية بناء خطط التنمية، والتوجه بدلاً من ذلك إلى تطوير خطة استراتيجية شاملة تشمل برنامج عمل ومؤشرات أداء واضحة ومحددة مع ربطها ببرنامج زمني.
2. ربط عملية إعداد ومتابعة ومراقبة الميزانية بنظام التخطيط الاستراتيجي، وخصوصاً في تحديد أولويات البرامج والمشاريع ومؤشرات الأداء.
3. إعادة النظر في منهجية وهيكلية وآلية وكالة الإحصاءات العامة، والتي يمكن أن تلعب دوراً تخطيطياً ومعلوماتياً محورياً واستراتيجياً بشكل أكثر تميزاً وحيوية عما هي عليه الآن.
4. إعداد دراسة عاجلة لوضع الاستثمار الأجنبي، مع تحديد مدى تحقيقه لأهداف الدولة وأهمها توظيف العمالة المحلية.
5. تطوير وتحديث (بشكل أسبوعي أو شهري) مؤشرات أداء اقتصادية وإستراتيجية ووطنية، على أن يكون من ضمنها وبشكل عاجل:
- مؤشر البطالة الشهري ومؤشر العمالة الأجنبية الشهري، مع ربطه بمؤشر البطالة ومؤشر التضخم الأسبوعي، مع عرض التضخم حسب المصدر.
ثانياً: كما أن العمل التخطيطي يحتاج إلى عمل جبار وتنسيق وتكامل، فإن تخطيط وإدارة الموارد البشرية السعودية، بنات وأبناءً، ضمن سياق التخطيط الاستراتيجي الشامل يتطلب إعادة النظر في هيكلية وآلية ومنهجية العمل الحالية في وزارة الخدمة المدنية. ولعل من أهم الملفات التي تواجه الإدارة الجديدة للوزارة ما يلي:
1. إعادة هيكلة إدارة الموارد البشرية، مع بحث دمج وزارتي الخدمة المدنية ووزارة العمل بوزارة واحدة تسمى وزارة الموارد البشرية، وهذا منطقي جداً نظراً، لأن كلتا الوزارتين تعنى بنفس العمل، إدارة الإنسان – المورد البشري.
2. تطوير نظام جديد وفاعل لإدارة الموارد البشرية في القطاعات الحكومية من جميع جوانبه، سواءً سلم الرواتب أو نظام المكافآت أو الحوافز، بما يعكس التطورات الحديثة في سوق العمل وبما يحفز ويجذب ويكافئ الكفاءات المتميزة.
3. التعامل بشكل عاجل مع الملفات المتأخرة للمتقدمين والمتقدمات على وظائف حكومية في مجالات التعليم والصحة وغيرها، حيث وصل بعضها إلى سنوات من الانتظار، وهو انتظار غير مبرر في ظل ما نملكه من قدرات ومدخرات اقتصادية ومالية.
ثالثاً: وزارة التجارة والصناعة تواجه قضايا وملفات شائكة، من أهمها:
1. وضع إستراتيجية واضحة ومحددة للتعامل مع ظاهرة ارتفاع الأسعار غير المبرر، مع وضع أنظمة جزائية وعقوبات رادعة كما في الدول المتقدمة، على أن يكون هناك شفافية في التعامل مع هذا الملف، مع التعامل مع الجهات ذات العلاقة، ومنها جمعية حماية المستهلك والإعلام والمواطن كشركاء إستراتيجيين وليس كجمهور.
2. إعادة فتح ملف الإستراتيجية الوطنية للصناعة، والتي يؤمل أن تساهم في حال تطبيقها في تنويع حقيقي لمصادر الدخل في المملكة.
3. إعادة تحديد وتوضيح دور وإستراتيجية الوزارة، حيث إن الانطباع العام بأن الوزارة تخدم مصالح التجار بشكل أكبر مما تخدم مصالح المستهلكين/ المواطنين.
4. بالتنسيق مع وزارة الاقتصاد والتخطيط، ينبغي دراسة وتقييم وضع الاستثمار الأجنبي ومدى تحقيقه للأهداف الاقتصادية الوطنية.
رابعاً: في أكثر من مقال ومناسبة، تحدثنا عن أهمية إعادة هيكلة وزارة الحج وتحديد نموذج إداري ومنهجي يتناسب مع توقيت الحج وتعدد الأهداف ذات العلاقة، ما يتطلب نموذج إدارة أقرب ما يكون إلى إدارة مشروع له أهداف محددة وبداية ونهاية، وليس وزارة عادية تتعامل مع أعمال مكررة ومستمرة، وهذا أهم ملف ينبغي التعامل معه من قبل الإدارة الجديدة.