بمناسبة اجتماع قادة مجلس التعاون في الرياض أمس واليوم لقمتهم السنوية، من حق المواطن أن يسأل: هل تحققت الأهداف التي وعد المجلس بتحقيقها لدى تأسيسه في عام 1981؟ ماذا بشأن التكامل الاقتصادي، وهو أحد أهم تلك الأهداف المنصوص عليها في النظام الأساسي للمجلس؟ ألا نتذكر كيف قابل المراقبون الأجانب ذلك الإعلان، حين وصفوا ذلك التكامل بأنه مجرد أضغاث أحلام لا يمكن تحقيقها؟ أو كما قال لي محلل أميركي مرة، إنه مجرد هلوسة.

وكانت لأولئك المراقبين أسبابهم، فعدد من دول المجلس كانت حينها حديثة عهد بالاستقلال، والأجهزة الحكومية الخليجية وقتها لم تكن قادرة على إدارة مشاريع التكامل التي نادى بها المجلس. وفضلا عن ذلك، قال علماء الاقتصاد إنه لا مجال للتوسع في نطاق التجارة والاستثمار بين دول المجلس، نظرا لتشابه هياكلها الإنتاجية وطبيعة صادراتها، مما يدفع إلى التنافس لا التكامل.

فهل تحققت الأحلام التي تضمنها إعلان المجلس، ولو جزئيا؟ لن أتحدث عن جميع ما تحقق، وهو كثير، ولكنني سأتناول حلم السوق الخليجية المشتركة التي أُعلنت كهدف للمرة الأولى في ديسمبر 2001، وبعد ست سنوات من التحضيرات والمفاوضات المضنية، تم تدشينها في يناير 2008، ولكنها ما زالت للكثيرين لغزا محيرا.

تقوم السوق الخليجية المشتركة على مبدأ بسيط ولكنه في منتهى الأهمية: أن يُعامل مواطنو دول المجلس بالتساوي لدى ممارستهم لأي نشاط اقتصادي في أي دولة من دول المجلس. أي أن كل دولة تلتزم بمعاملة مواطني دول المجلس الأخرى معاملة مواطنيها في جميع المجالات الاقتصادية. وبعد الاتفاق على هذا المبدأ في ديسمبر 2001، تم تفصيله في قرارات مجلس التعاون اللاحقة، والتي بدورها تم تضمينها في التشريعات الداخلية للدول الأعضاء، وتم بذلك وضع الإطار التشريعي للسوق الخليجية المشتركة والذي يضمن المساواة في المعاملة في عشرة مجالات رئيسية، هي التنقل والإقامة، والاستثمار وتملك الأسهم والعقار، والعمل في القطاعات الحكومية والأهلية، والتعليم والصحة والخدمات الاجتماعية، وتأسيس الشركات، والمعاملة الضريبية.

ومع أن السوق الخليجية المشتركة قد فُصّلت على نسق السوق الأوروبية المشتركة التي سبقتها زمنيا، إلا أنها إنتاج خليجي 100%، سواء في التخطيط لها أو تنفيذها.

فماذا تحقق من السوق الخليجية المشتركة منذ إعلانها رسميا في يناير 2008؟ لنأخذ الإمارات العربية المتحدة كمثال. فوفقا لبيانات أصدرتها مؤخرا وزارة المالية في الإمارات، فإن عدد الخليجيين (غير الإماراتيين) الذين يستثمرون في مختلف الأنشطة الاقتصادية في الإمارات، من مشاريع صناعية وزراعية وتجارية، قد تضاعف 100% خلال السنوات الثلاث الأولى من قيام السوق المشتركة. أما عدد متملكي العقار من الخليجيين فقد ارتفع بنسبة 80% خلال الفترة نفسها، على الرغم مما نسمعه من أزمة في العقار! وارتفع عدد العاملين الخليجيين في القطاع الخاص الإماراتي بنسبة 150% تقريبا منذ قيام السوق. أما المستثمرون الخليجيون في السوق المالية الإماراتية فقد تجاوز 300 ألف مستثمر، على الرغم من التقلبات الكبيرة في الأسواق المالية بالعالم أجمع.

وبالطبع فإن هذا كله تم بفعل مواطني دول المجلس أنفسهم، الذين أخذوا هذه الوعود الرسمية بجدية، واستغلوا الفرص التي قدمتها لهم قواعد السوق الخليجية المشتركة، وصوتوا بإقدامهم وبأموالهم معبرين عن ثقتهم في الاقتصاد المحلي وجدوى الاستثمار فيه. وهؤلاء هم الرواد حقيقة، رواد التكامل الاقتصادي الخليجي، وهم الذين يحصدون المكاسب قبل سواهم.

وبالنظر إلى هذه الخطوات العملية التي أخرجت السوق الخليجية المشتركة من الحلم إلى الحقيقة، ومن عالم الوعود إلى عالم الواقع، فإنه من المُدهش حقا كم هذه الحقائق مجهولة خارج منطقة مجلس التعاون، حتى من قبل الخبراء والمتخصصين في شؤون المنطقة. ففي مؤتمرين دوليين شاركتُ فيهما مؤخرا في أبوظبي والدوحة، كان مفاجئا جهل المشاركين الأجانب بما وصل إليه التكامل الخليجي، وتشككهم في إمكانية استمراره.

هل السبب في تشكك الخبراء الأجانب في إمكانية التكامل الخليجي واستمراريته يعود إلى عدم كفاية التواصل الإعلامي، وعدم نشر المعلومات عن هذا التكامل، بما في ذلك السوق الخليجية المشتركة، بشكل سريع وشفاف؟ أم أنه عائد إلى أن هؤلاء الخبراء اعتادوا على التصريحات الطوباوية، المبالغ فيها أحيانا، من بعض المنظمات الإقليمية، مما هو من قبيل الأماني والأحلام أكثر منه برامج واقعية؟

أم هو أمر آخر مختلف، يعود إلى عدم قدرة الخبراء الأجانب على تصديق أن الخليجيين يستطيعون تحقيق أي إنجاز دون مساعدة وخبرة الآخرين، خاصة إنجازا في مستوى السوق الخليجية المشتركة؟