إليك الخبر التالي:
"السجن عامين للرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك مع وقف التنفيذ بسبب فساد وظيفي".
أول ما تناهى إلى سمعي وبصري هذا الخبر ضحكت كثيراً.. كثيراً، بل كدت أستلقي على قفاي من شدة الضحك، لكنني أدركت أنني أصلاً "منسدح" ومستلق على الأرض، والواقع أنني بعد سماع الخبر جلست وكدت أقف على طولي، لا أدري لماذا ضحكت؟ ولماذا ارتبكت؟ ولماذا قعدت ولماذا وقفت، وزعمت أنني ضحكت لأنني ظننت في الأمر مزحة، لكنني حزنت عندما توطنت نفسي من موثوقية الخبر ممكن لأنني أحب هذا الرجل وأدري لماذا أحبه ممكن لعلاقاته المميزة مع الدول العربية بل وعلاقته الخاصة والدافئة مع بلدي ومواقفه الصارمة مع الحق في كثير من قضايا العرب المصيرية، وممكن لأن له كاريزما تقربه من النفس، فهو على نحو ظاهر وبَيّن رجل ودود.. بشوش، طوله الفارع يعطي قيمة لانحنائه عند السلام ويرسم عنه انطباعاً متواضعاً ومتبسطاً، لكنني اندهشت وخرجت كرتا عينيّ من حدقتيهما حتى كادتا تخرجان من محجريهما لولا أنني تداركت بياضهما وسوادهما بيدي وأعدتهما إلى مكمنيهما، لماذا كاد الاندهاش يفعل ذلك بعيني، لماذا "بزرت" كما نقول عيناي والأصل أنهما برزتا، لماذا ظهرت كل علامات الاستغراب هكذا "!!!" فوق جبهتي، كيف اندهشت أو انشدهت.. سأقول لكم لماذا؟!
لأن تهم الفساد أو الانتفاع الوظيفي للسيد شيراك من وظيفته إنما هي مجرد تهم، وشبه، يجرمها القانون الفرنسي، كما أن دهشتي كمنت في حجم هذا الانتفاع وهو قدر يسير لا يكاد يعتبر "مزة" أو "مقبلات" أو "مشهيات" عند بعض "ربعنا" العرب. إن ما أقدم عليه المدعو جاك شيراك لا يعد في عرض العرب إلا "خبالة" أو "تياسة" أو "قلة دبرة" أو " قلة سنع" و"رفالة" بمفهومنا الدارج، إن ما فعله السيد جاك شيراك لا يعد في عرفنا نحن بني العوالم الثالثة إلا المقدمة، بل إنه أول سطر في الفهرس، إنه أول خطوة يدرجها المسؤول الذي يقرأ كتابي "الأصول في سبل الوصول"، وكان بعض "ربعي" وأصدقائي اقترحوا حينها أن أسميه الأصول في سبل الحصول وقلت لهم حينها ولماذا تستعجلون وتستقدمون من أمركم ما يجب أن تستأخروا، قالوا لي كيف؟ قلت ليس هذا إلا الجزء الأول ولأن أمر الانتفاع مستمر، والفساد متراكم فإن الأجزاء مستمرة بحسب تصاعد وتدرج الأمر فسيأتيكم "الأصول في سبل الحصول" ثم سيتبعه من بعده جزؤه الثالث وهو على نحو أسمن وأدسم، بحسب حجم الانتفاع وهو "الفصول في طرائق الحصول".
البلاد المتقدمة محكومة بالتشريعات والقوانين التي لا يتسرب إليها الشك ولا تخترقها الواسطة ولا المحسوبية ولا يتقاسم المنافع فيها الحامي والحرامي، ولهذا فإن الأصل في تلك البلاد هو النزاهة، والشذوذ هو الاختلاس، وعلى عكس هذا فإن العالم العربي يعج بالفساد والاختلاس، وتسود فيه حالة من عدم الشعور بالمواطنة والمسؤولية، بشكل ترى فيه المواطن يرفع عقيرته بشعاره الأثير "حلال الدولة"، أو تراهم يعلجون المثل التعيس الذي يستجمع كل سوءات الأنانية "جلد-ن- مهوب جلدك جره على الشوك"، والأكيد أن أصل المثل صادر من "دباغ" للجلود حريص على أن يصله الجلد نظيفا من الأذى!
ولأنني مواطن عروبي ثوالثي فإنني أندهش، كيف يحاسب من هو على هذا القدر من المكانة كشيراك الذي قد تكون صلاحياته قد خولت له ومن ثم سولت له اقتراف بعض الممنوعات فما بالك بمن لا صلاحيات لهم ولا قيمة لهم في العالم العربي، لديك المدير، ومساعد المدير، والوكيل، ومنهم الموظف رقم 3200 في إحدى الوزارات، ومنهم من هو أدنى ومنهم من هو بدرجة وكيل وزارة، وفي كل دولة عربية مئات الوكلاء ومساعديهم .. ومنهم من هو وزير وفي كل دولة عربية أيضا مئات الوزراء السابقين السابقين أولئك المقربون ومنهم عشرات الوزراء الحاليين.
لكن كل هؤلاء لا يرقون إلى صلاحيات الرئيس، ومع ذلك فإنهم يرتعون في خصب الفساد لا يردعهم رادع، ولا يحاسبهم قانون، ولا يمنعهم ضمير، ودع عنك طبعاً موانع التقى والورع.
مسكين جاك شيراك، لو كان عندنا في العالم العربي لكان من نصيبه أن يتمتع بما جناه من حياته الوظيفية، ولكان من حظه أن يشتري لنفسه قصراً مطلاً على نهر السين بدلاً من أن يسكن في منزل الحريري بعد تركه للوظيفة حتى يتدبر أمر سكناه.
لقد حزنت لما يحدث من "مرمطة" للسيد شيراك بعد أن كان ملء السمع والبصر، وليس حزني إلا لما تسببه المقارنة بين بصيرة القانون وحدة النظر في تلك البلاد، وبين ترمد وضعف بصيرة القانون في العالم العربي.
إن بيننا وبينهم من فوارق ضوئية في قوة النظام وصرامة التشريع ونفاذ القانون على الكبير والصغير، الوزير والغفير كل ذلك يجعلني أترحم وأتعاطف مع كل من توكل إليه مهمة مراقبة الفساد وكبحه واحتوائه والسيطرة عليه، أتعاطف مع كل المكلفين بملفات الفساد وهم يرون أنابيب دولهم و"مواصيرها تخرخر" وتسرب موجوداتها بقدر لا يستطيع أحد السيطرة عليه.
مسكين جاك شيراك فله – لسوء حظه من اسمه نصيب – فقد جاءته شراك وحبائل الفساد لتطوقه في هذا العمر بعد أن كان – فيما خلا- شيئاً مذكورا.
مسكين جاك شيراك "لم يلعبها صح" عندما كان على هرم السلطة، كان عليه وهو العارف بقانون بلاده أن يُكبر اللقمة ويأخذ "اللي عليه القيمة" ويكنز اليوروات ثم يتخلى عن جنسيته الفرنسية ويكتسب إحدى الجنسيات العربية التي تخول له الحصانة من الملاحقة.
الصراحة شيراك "ما لعبها صح"، وكان بحاجة إلى أن يستنير بمشورة أحد أصدقائه العرب فهم على قدر من الدهاء والمكر الذي يخرجهم من "ورطاتهم" كما تخرج الشعرة من العجين.
كنتُ يا شيراك – للأمانة- معجباً بك من قبل وخلال وأثناء حياتك العملية وكنت أتابع أي انتخابات تخوضها وأتمنى أن أصوت لك، وكنت أحفز إخوتنا المغاربة والمشارقة والعرب الأفارقة الذين يملؤون فرنسا ويكتسب كثير منهم هويتها على التصويت لك.
كنت يا شيراك معك، وبعد وقوعك في شراك التهم، أقول لك صراحة: إنك طحت من عيني!