هدتني تعليقات القراء على المقال السابق، إلى تلمس أسباب الحسية الرشيدة عند الشعراء السعوديين؛ وكان أن بدرت إلى الذهن عدة أسباب، تأخذ في الاعتبار، تحوّل المرأة إلى رمزٍ أو معادل موضوعي للكثير من المعاني، ويمكن إجمال هذه الأسباب فيما يلي:

1- المبادئ الدينيّة التي تمثّلها الشّعراءُ مؤمنين بأنّ الفحش إثم، وأنّ القول الفاحش نوعٌ من التعدّي على الأعراض، وهذا – كما يرى الدكتور شكري فيصل - أحد أسباب نشوء الغزل العذري في عصر بني أمية.

2- العادات الاجتماعيّة الصارمة في البيئات المحافظة، ممّا حال بين الشّعراء وبين الإغراق في الصور الحسّيّة المثيرة للغرائز، والمؤثّرة على السمعة، في ظلّ مجتمعٍ قبليٍّ يرى في إقدام الفرد على المحظور، مساساً بسمعة القبيلة كلّها، دون اعتبارٍ لاستقلاليّة الفرد، كما أنّ الطبيعة القبلية العربيّة تأنفُ من المجاهرة بالعلاقة بين الجنسين، ولأنّ العربيَّ يعدّ العفّة من مزايا السيادة، فيتعفف وإن لم يكن عفيفاً.

3- التأثر بالاتجاه العذري الذي صار أنموذجاً للعاطفة السامية، فضلا عن أن شعر العذريين أنموذج ممتاز من حيث: الشاعريّة والصدق والتأثير. يرى الدكتور شكري فيصل أن هذا النّوع من الغزل هو "المظهر المغني للعواطف المتفنّنة والملتهبة في آن معا"؛ ذلك أنّه "إذا كان الوعي بالجسد في اللغة، يختلف عن الوعي بالجسد في الواقع، فإنّ القيمة التي ينتجها الوعي في كلتا الحالتين، تكون بمثابة اكتشاف لعوالم الجسد الميتافيزيقي"، بمعنى أنّ الوعي الحقيقي بالجسد، يجعل منه في اللغة الشعريّة، روحاً جميلة، لا جسداً جميلاً.

4- التأثر بالاتجاهات الأدبيّة الحديثة، التي تنظر إلى المرأة من زاوية جديدة، تتجاوز النظر إليها بوصفها مدار رغبة، بل إنّها صارت تنظر إلى المرأة نظرةً تتسم بنوعٍ من التقدير والإشادة، وفي ذلك تأثّر بالاتجاه الرومانسي، وهذه حالٌ عامّة في الشّعر العربيّ الحديث، إذ لم تعد المرأة جسداً فاتناً، وإنّما صارت فكرة مثاليّة، وممّا يعضد القول بتأثرّ شعراء عسير ـ مثلا ـ بالاتجاه الرومانسي، أنّ الناقد عبدالله السّمطي، جعل من هذه النزعة، عند شعراء عسير، تهمةً مرتبطةً بالمكان، حتى أصبحوا ـ في رأيه ـ خارج التصنيف الشعري الحديث، لأنّه يرى في الرّومانسية تقليدا لا يلتئم مع روح العصر.

5- الخضوع للأوضاع العربيّة الرّاهنة، والتزام الشّاعر بقضايا العصر، حتى وإن كان الالتزام لا شعورياً، ممّا جعله يفرّ من التصريح إلى الرمز والإيحاء، ليمنح قصيدته مسحةً شاعريّة، تبعدها عن المباشرة، التي تسم القصائد ذات الأهداف، فكانت المرأة مفرّاً رمزيّاً، يهرع إليه الشعراء، وهو ما ظهر جليّاً عند محمد زايد الألمعي، في "اللواقح"، وإبراهيم طالع الألمعي، في "موّال"، وعلي آل عمر عسيري، في "سيّدتي تسفر للدهشة"، وغيرهم.