لا يمكن لشخص ما أن يزعم عدم وجود فساد مالي وإداري في عدد من الإدارات والقطاعات التي للناس علاقة مباشرة بها، ولعل الحملة الكبيرة التي تنفذها هيئة مكافحة الفساد عبر وسائل الإعلام المحلية، والتي بدأت قبل ستة أيام شاهد على أن هناك مشكلة وهناك توجها للقضاء عليها أو الحد منها. ومن المؤكد أنه لولا وجود هذه الظاهرة لما صدر من قبل القرار السامي القاضي بإنشاء هذه الهيئة.

ومع توجه الدولة نحو الشفافية في هذا الجانب، والتي أكدتها عمليا عبر التحقيق مع الكثير من المتورطين في بعض القضايا الخاصة بسرقة المال العام والمفرطين في الأمانة وما ترتب على ذلك من حدوث إضرار في الأنفس والممتلكات بات الناس يفرقون بين من يعمل وبين من يعد أنه سيعمل، ثم تمر السنون دون أن يرى الناس شيئا مما وعد، فواقع الحال وعامل الزمن وحالة الوعي المتزايدة كشفت للناس الكثير من مواقع الخلل والفساد التي تسعى الدولة هذه الأيام ـ ممثلة في هيئة مكافحة الفساد ـ إلى توعية المواطنين أكثر بها وتعزيز مفاهيمهم حيال أشكال وأوجه الفساد بهدف الحذر منها والتبليغ عنها.

وفي ظني أنه ليس بالضرورة أن يكون الفساد سرقة أموال أو استغلال المنصب لتحقيق مصالح شخصية، بل إن عدم السعي لتقديم ما هو أفضل مما هو متاح لخدمة الوطن والمواطنين يدخل في باب الفساد، فهناك العديد من الجهات وفرت لها الدولة الاعتمادات المالية وسنت لها القوانين التي تساعدها في أعمالها ولكنها لم تستثمر كل ذلك، لكونها تفتقد للأمانة والإخلاص، فهي لم تسرق ولكنها لم تعمل وليست لديها روح العمل ومن ثم الناس تشكو وتتذمر وعند البحث في التفاصيل نجد أن إهمال هذا المدير أو ذاك المسؤول وعدم تفاعله مع احتياجات الناس كان سببا وراء تلك الشكاوى والتذمرات، وهنا يظهر الفساد، لأن التوفير في المصروفات أحيانا يعتبر خللا وليس سمة نجاح، خاصة عندما يكون هذا التوفير ناجما عن إهمال وعدم إلمام بأهمية هذه الجزئية في خدمة الناس وتسهيل أمورهم وتحقيق أهدافهم. وهناك فرق بين من يسعى لغد أفضل عبر خلق كل فرص التفوق والنجاح وخلق مبادرات في مجال عمله وبين من لا تعنيه احتياجات الناس وما يحيط بهم من تطورات ومن ثم يتوهم النجاح عبر ترديده أفعال التفضيل في كل مناسبة ليظهر ذاته أو دائرة عمله أو مدينته أو ما يحيط به على أنه الأكبر والأجمل والأطول والأفضل وكأن الناس لا ترى ولا تسمع ولا تلمس الفوارق بين ما يفعله هذا الشخص وما يفعله من هم مثله في مواقع المسؤولية.

حالة الإعجاب التي يسجلها المواطنون ببعض المسؤولين كالوزراء أو أمناء المدن أو مديري المرور أو مديري المستشفيات وغيرهم ممن يقفون وراء هذا النجاح أو ذاك التميز ينبغي أن تكون بمثابة استطلاع للرأي العام عند صاحب القرار، فهم شهود على من يعمل ومن يدعي أنه يعمل أو من مل الناس وهم ينتظرون وعوده دون أن يلمسوا شيئا من ذلك.