لعلّ التشويش الفضائي على القنوات الإخبارية كـ"الجزيرة" و"العربية" كان من سمات الأيام القريبة الماضية على القمرين الصناعيين "عرب سات" و"نايل سات"، وهو إلى ذلك كان من سمات العام 2011 بحيث كنا نلمسه مع تصاعد أحداث الثورة في دول "الربيع العربي". والمنطق يقول إن الأنظمة القمعية التي قامت القنوات بفضح ممارساتها الدموية عن طريق بث الأخبار والتقارير والتحليلات، هي المتهم الأول بالقيام بالتشويش لأنها لا تتورع عن فعل شيء مستخدمة المال المنهوب من الشعوب لامتلاك التقنيات المتطورة القادرة بظنها على التعتيم الإعلامي وتغييب الحقائق.

في أحداث "الربيع العربي"، لم تكن حدة التشويش على الإعلام المرئي في الحالتين التونسية والمصرية كما هي في الحالات الليبية واليمنية والسورية، وقد تكون الأنظمة - إن فعلت ذلك - تعتقد أن للقنوات دور في إلهاب حماس المتظاهرين وتحفيزهم على المزيد من التظاهر وربما تساهم في تنظيمهم وتوجيههم. وهي بذلك لا تدرك أن الواقع الخاطئ الذي أفرزته ممارساتها في مختلف المجالات هو ما أنتج النقمة الشعبية عليها. وبعد الشرارة التونسية الأولى اكتشفت الشعوب أنها قادرة على التغيير حتى وإن قدمت تضحيات كي تنتقل إلى واقع أفضل وأنظمة تنتشلها إلى مستوى الشعوب الراقية، وهي مؤهلة لذلك إن توفرت لها قيادة تحسن إدارة دفة البلاد، ولا تقدم مصالح الأفراد في مركز القرار وأقارب "الرئيس" على مصالح الشعوب.

لم تتهم القنواتُ في أخبارها عن التشويش جهةً بعينها، وكانت غالباً تتحدث عن "جهات مجهولة" تتعمد تشويشاً يتسبب بانقطاعات متكررة في البثّ تحول دون تمكّن المشاهدين من متابعة التغطيات المباشرة للأحداث الساخنة. والحقيقة الواضحة هي أن "الجهات المجهولة" ما زالت تعيش خارج الزمن، لأنه بإمكان أي قناة تغيير التردد خلال ثوانٍ. وخلال ثوانٍ أخرى يستطيع المشاهد معرفة التردد الجديد بالذهاب للمواقع الإلكترونية للقنوات أو صفحاتها على "الفيس بوك" و"تويتر"، أو متابعة شريط أخبار قناة يتقطّع بثها. ويمكن له أيضاً أن يُجري إعادة بحث عن القنوات الجديدة على القمر ليجد غايته. فأي عقول يمتلك هؤلاء "المشوّشون المجهولون" ليهدروا الأموال في مهمة فاشلة؟