عقد في الأسبوع الماضي في الرياض، منتدى الرياض الاقتصادي في دورته الخامسة، والمنتدى يحظى برعاية خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله، كما يحصل على تمويل حكومي للصرف على أعمال المؤتمر. وقد تم في الجلسة مناقشة خمس قضايا وطنية شملت: التنمية المتوازنة بمناطق المملكة، والتعليم الفني والتدريب التقني ومدى ملاءمته للاحتياجات التنموية من القوى العاملة، وتطوير النقل داخل المدن، الأمن الغذائي بين الزراعة المحلية والاستيراد والاستثمار الزراعي الخارجي، وتقييم الاستثمار في المملكة.
وقد حظيت جلسات المؤتمر بحضور مميز وخصوصاً من جانب القطاع الخاص، سواء من السعوديين أو غير السعوديين، وإن لوحظ غياب كبير من قبل المسؤولين الحكوميين في القطاعات الحكومية وكذلك المتخصصين من أكاديميين ومفكرين اقتصاديين وتعليميين، الأمر الذي ركز النقاش ووجهه إلى مصالح فئات أكثر من غيرها، وخصوصاً فئة القطاع الخاص، وهذا كان على حساب تغليب وتوجيه النقاش لتقييم وتطوير السياسات العامة ذات العلاقة بالقضايا التي تمت مناقشتها لخدمة الصالح العام، وتوجيه المال العام التوجيه والاستثمار الأمثل بما يخدم المصلحة العامة وليس فئة معينة.
وحتى يمكن لنا تقييم مدى نجاح المنتدى من حيث تحقيقه للأهداف الوطنية، يمكن لنا النظر في التوصيات التي قدمها المؤتمر ومدى مناسبتها وارتباطها بالموضوع المطروح للنقاش، واستقلاليتها عن أي مصالح خاصة من ناحية، ومدى تحقيقها لأعلى عائد للاستثمار.
في موضوع التنمية المتوازنة بمناطق المملكة، تمت التوصية بإنشاء جهاز حكومي ليكون معنيا بإدارة التنمية المتوازنة بالمناطق، وهي توصية تتعارض مع وجود وزارة مخصصة للتخطيط مهمتها إدارة وتخطيط التنمية في المملكة. كان من المفترض أن تركز التوصيات على معالجة الخلل في خطط التنمية الحالية وعدم ارتباطها بالميزانية، التي تعتبر إحدى أدوات التخطيط الحقيقي، إضافة إلى مناقشة أسلوب إعداد الميزانية الحالي بحيث يتم إعدادها على أساس الأداء وليس على البنود.
أما فيما يخص تقييم الاستثمار في المملكة، فقد أوصى المنتدى بضرورة إعادة هيكلة الهيئة العامة للاستثمار بما يضمن العناية بالاستثمار الأجنبي والمحلي على حد سواء، من خلال حصولهما على خدمات استثمارية موحدة، وتخصيص نسبة من إيرادات الدولة للمشاركة في تمويل المشاريع الاستراتيجية المتميزة واستقطاب القطاع الخاص والشركات الدولية للمشاركة في تمويل وتنفيذ وإدارة هذه المشاريع، وهي توصيات متناقضة مع نتائج ومناقشات الدراسة الخاصة بموضوع تقييم الاستثمار في المملكة.
توضح الدراسة المرتبطة بتقييم الاستثمار في المملكة وجود مشاكل وعوائق قانونية وإدارية في الاستثمار، مع عدم تحقيق العائد المطلوب من الاستثمار الأجنبي نتيجة تركيز الاستثمار الأجنبي على أعمال لا تمثل قيمة مضافة عالية، وليست ذات تنافسية عالية دولية، مع تركيزها على العمالة الأجنبية وعدم توظيف أبناء وبنات المملكة بالشكل المطلوب، تملكاً وإدارة وتشغيلاً في جميع المجالات، وهذا ما أوضحته نتائج الدراسة. فقد ذكرت الدراسة أن الهيئة العامة للاستثمار تصدر تراخيص لنسبة عالية من مشاريعها بتمويل متدنٍّ وفي مجالات لا تمثل قيمة مضافة تنافسية دولية مثل التعليم وتقنية المعلومات والنقل والتأمين، مما أدى إلى منافسة غير عادلة للمستثمر الوطني من دون إضافة ملموسة للاقتصاد الوطني، أو حتى دخول تدفقات نقدية عالية من الخارج، وكذلك اعتمادها على عمالة أجنبية. كما طالبت الدراسة الخاصة بتقييم الاستثمار في المملكة بوضع معايير للترخيص للاستثمار الأجنبي تضمن قيام مشاريع عالمية المستوى، ذكية التخصص ذات محتوى تقني متطور، وقيمة مضافة متميزة وتحديداً في مجالات النفط والغاز والصناعات المرتبطة بها، وتحديد مرحلة انتقالية يلتزم المستثمر الأجنبي خلالها بتدريب وتأهيل عمالة سعودية تحل في نهايتها محل العمالة الأجنبية ما عدا العمالة نادرة الاختصاص، ومتابعة وتقييم أداء المشاريع المنفذة ونشر التقارير الدورية عنها. كان من المفترض أن يخلص المنتدى وحسب ما خلصت إليه نتائج الدراسة العلمية وما يلاحظ من مشاكل في نوعية وكم الاستثمار الأجنبي، وليس كما تم تداوله في جلسة النقاش الذي تم التركيز فيه على مصالح التجار السعوديين (القطاع الخاص) وليس المصلحة العامة؛ إلى التوصية بضرورة إعادة تقييم تجربة الاستثمار الأجنبي لعدم تحقيقها الأهداف الاقتصادية التي قامت الدولة حفظها الله بإصدار نظام الاستثمار الأجنبي من أجلها.
أما التقارير الدولية سواء من منظمات الأمم المتحدة أو غيرها والخاصة بتقييم وعرض وترتيب وضع الاستثمارات الأجنبية في العالم، فيجب التنويه إلى أن مصداقية هذه التقارير تعتمد على دقة وصحة مصادر هذه المعلومات في كل دولة، والمتمثلة في الجهة المسؤولة عن الاستثمار الأجنبي، مما يعني أنها ليست معلومات مستقلة. ولذلك كان من البديهي والمنطقي أن نركز على بيانات مالية تصدر من جهة مستقلة مثل مؤسسة النقد، ويوضح فيها النقد الفعلي الداخل والمشغل في المملكة على مدار الساعة، وليس رؤوس أموال أو أرقام عقود لعدة سنوات مسجلة في ورق، كما يجب أيضاً ربط هذه التدفقات الداخلة بالتدفقات النقدية الخارجة من شركات أو أفراد، هنا فقط يمكن لنا تقييم مستوى وقيمة التدفقات الصافية الداخلة، وهل هي إيجابية أم سلبية، وهي حتماً أقرب للسلبية.
أي استثمار أجنبي لا يحقق قيمة مضافة للدولة ولا يوظف ويستثمر في أبناء وبنات البلد ولا يجلب تقنيات ومعرفة عالية فهو استثمار ضار بالاقتصاد الوطني، أي استثمار أجنبي ينتج عنه توظيف واستقدام عمالة أجنبية فهو استثمار ضار بالاقتصاد الوطني. أي استثمار أجنبي لا يركز على الميزات التنافسية للمملكة فهو استثمار ضار بالاقتصاد الوطني.
بدون أدنى شك، فإن الاستثمار الأجنبي، في وضعه الحالي، لا تنتج عنه أضرار اقتصادية فقط ولكن أضرار أمنية واجتماعية ونفسية في ظل تواجد الملايين من العمالة الأجنبية، وتزايد نسب البطالة بين بنات وأبناء المملكة، كل هذا يتطلب ضرورة تقييم تجربة الاستثمار الأجنبي الحالية ووضع الحلول العاجلة للتعامل مع هذه القضية الوطنية الاستراتيجية بأبعادها المختلفة.