في (الثانية مع داود)، يبدو أن هذا الإعلامي ساخن اللسان قد ضاق ذرعاً بتبريرات عشرات المسؤولين الذين مرّ عليهم في ثنايا لقاءاته الملتهبة.
ضحكت كثيراً وهو يقول ظهر الاثنين الماضي: لقد استمعنا إلى آلاف الأحلام الواهمة التي تكفي لصدور صحيفة يومية اسمها (هواجيس) ندون فيها هذه المشاريع والحلول التي لا نراها ولكننا نسمعها على ألسنة المسؤولين في القطاعات المختلفة.
ومن حسن الحظ، أو من جميل الصدفة، أن برنامج (الثانية مع داود) يلائم وقت هروبي من عملي مثلما هو ملائم أيضاً للآلاف من المسؤولين وأصحاب القرار الذين يتسلون مع داود الشريان لتخفيف أعباء ووطأة المرور في سويعات الذروة.
والخيط الواصل بين عشرات المسؤولين الذين مروا على برنامجه الشهير هو الاستخدام المفرط لحروف الدلالة على فعل المستقبل. أفعال مثل (سنعمل، وسنفعل، وسوف يكون، وفي نهاية العام القادم) واللغة بحد ذاتها، وبمثل هذه الدلالات، أصبحت اليوم من وجهة نظري أعظم (مخرج طوارئ) لآلاف المسؤولين، ومن عيب اللغة العربية، إن كان لها من عيوب نلقيها عليها في الأصل، أنها ثرية وحبلى في الشهر العاشر بمثل هذه الدلالات لفعل المستقبل.
المسؤول الذي أنهى اليوم عشر سنوات على رأس الهرم الإداري بدائرته لم يجد في السيرة الذاتية ما يشفع له لا الحديث بفعل (الماضي) فحسب، بل حتى إنه نسي الحديث بفعل (المضارع).
هذه الدلالات المستقبلية في لغتنا العربية قد لا تجدها بذات الحجم في اللغات الأخرى، وأنا هنا أتحدث عن المقارنة مع الإنجليزية كمتخصص، فليس فيها سوى (will) أو (shall) المنقرضة.
ترى في النهاية، ماذا لو أننا باشرنا بالفعل إصدار صحيفة (هواجيس) لنسرد فيها كل الآمال والوعود الهلامية؟ ماذا ستضيفون إليها، إخوتي القراء، مما تعرفون عن هذه الهواجيس في دوائر حياتكم الخاصة؟