• مرةً زرت مدينة، كانت قد حفرت مكانها في صميمي، واجهت بها أشياء تشبه عودة الخلق لصيغته الأولى، كأن الطبيعة انتهت من إحدى دوراتها، وها هي في مطلع دورةٍ جديدةٍ وبكر، أشياء كنكهة الشتاء وروائح الأشجار المبللة، المشي في الليل بلا أعمدة ولا إسفلت. تلك الألفة البدائية في برودة الجوّ وقطرات المطر، الوجوه المثقلة بالحب والكدح، الأيدي التي لا تتعب من تبادل السلامات والتحايا، في الحيطان والمقاهي، في الألوان الغضّة التي تلف أصداغ الأطفال، في تنوّع الحياة البديع، في الشبابيك والأزقة النديّة، في تحديق كبار السن وخَفَر البنات.. الغناء والرقصات الشعبية، وجلال الوجد المتجذر فيهما. شيءٌ ما كان في تلك المدينة ينسرب إلى الروح، شيءٌ عتيقٌ وغامض وروحاني، يملأ الدواخل بالسكون والسلام، بأعمق ما تعنيه خضرتها من الإيواء والطمأنينة والسكن!

• ويا كم نزور أماكن، لا تكوّم فينا غير السأم والنفور، وأجزم أنه ليس بفعلها، بل بأثر نوعٍ من البشر، سلبوها كل مفاجآتها، وهشّموا فرص الوقت في خلق الحكايا، منحازين بلا حكمة، إلى حكايةٍ واحدة.. لها وجهٌ واحد، حكايةٍ مليئة بالناس، لكنهم يبدون وكأنهم متناسخون، رجالهم يلبسون لوناً واحداً، ونسوتهم يتلفعن بلونٍ واحد، وجميعهم ينطقون من حنجرةٍ واحدة، إلا أنهم يتكلمون بغضبٍ وحدّة، حتى تفكر أنه لا أحد منهم يحب الآخر أو يخاف عليه!.

http://www.youtube.com/watch?v=rY5LTcnDcbM

• بكل حال لا أعرف كيف يمكن اختزال مكانٍ ما في كلمات، مهما كانت كثيرة ومثيرة، في هذا كثير من الظلم، إن مكاناً عمره بعمر الأرض، يحتاج إلى كتابةٍ بالطين والماء، بالحصى والشجر والليل، لأن الأمكنة لا تتنازل عن حكاياها ولا فرحها ولا أوجاعها، ولا حتى عن هزائمها وقلقها، في كل مكانٍ.. سيكون ما لا تعرفه أكثر بكثير مما عرفته، حتى في مكانك الذي قضيت به حياتك. لا أحد بوسعه أن يقول إنه يعرف مكاناً بالكامل، أياً كانت تلك البقعة صغيرة، ولو صغيرةً بحجم القبضة، لكننا نحن البشر لا نتوقف عن الكلام، نكابر بالرغم من أننا أضعف من أن نكتب كتابةً أزليةً عن جزءٍ من هذه الأرض.

يمكننا أن نكتب عن وجودنا بها، موقفنا منها وحماستنا لها، عمّا تحسسناه فيها، والأثر الذي خلّفته في داخلنا، لكن أن يدّعي أحدٌ ما أنه كتب بلداً أو مدينةً أو قرية، أو حتى زقاقاً أو شبراً.. فهو يقفز على شرف هذا الكوكب الملطخ بأكاذيبنا، لنقل أننا نكتب عن تصوراتنا للأمكنة، لا الأمكنة ذاتها.. هذا أصدق مع النفس وأجدى!