في سويسرا، ولعقود من الزمن لم يحدث أن تأخر القطار الداخلي بين الأحياء السكنية أبدا، ولكنه فجأة في إحدى السنوات تأخر ولمدة دقيقتين تقريبا في حالة طارئة وغير مقصودة فقامت القائمة في وسائل الإعلام المحلية، ووزارة المواصلات تستنكر ما حدث وبدأت الشكاوى من عدم احترام الوقت، يبدو أن الشكاوى في المجتمعات الغربية مهما كان نوعها وحجمها وتأثيرها الاجتماعي تؤخذ من قبل القانون بكثير من الجدية ولا تفرق بين أخطاء صغيرة أو كبيرة، فثقافة الشكوى تكاد تكون متعمقة في قعر العقلية الغربية لذا يمكن للمرء أن يتوقع أن يكون ضحية شكوى في أية لحظة وفي أي مكان، حتى عندما يقود سيارته وهو يردد إحدى أغاني الصباح، إذ يمكن أن يزعج الآخرين برفع صوت التسجيل، أو قد يكون أسلوب قيادته للسيارة بطريقة مزعجة فلا يلبث شريكه أو شريكته في الشارع إلا بتدوير رقم "شرطة النجدة" بعد أن يُسجل رقم سيارة كي يشتكيه، فتكون النتيجة مزعجة للغاية قد تتجاوز مئات الدولارات غرامات أو قد تقود خطاه إلى الوقوف أمام القاضي في المحكمة! بل أكثر من ذلك فإذا ما حدث وأن حصلت "مناقشة" حادة بين المرء وزوجته أو بينه وبين ابنته فليس من الغريب أن ينزعج جارك المباشر فيتصل بالشرطة كي تأتي ويمكن أن يتهمك بأنك تعاني من أمراض نفسية قد تكون كافية للفصل بين الزوج والزوجة أو انتزاع الابنة من والدها وإيداعها دار الرعاية الاجتماعية!

ربما يجد المشرع الغربي نوعا من التبرير لهذا النوع من التدخل في الشؤون العائلية باعتبار الخشية من العنف واحتماليات التصعيد الذي قد يصل إلى التلاكم واستخدام الأيادي والأدوات الحادة ولا أبالغ بأنه يمكن أن يزورك ضابط الشرطة في بيتك طالبا منك "مرافقته" إلى التوقيف بسبب عدم العناية الكافية بكلبك أو بقطتك، أو قد يتهمك بضعف "المشاعر الإنسانية" وبالقسوة على الكلب أو القط أو الطير!

هنالك إجماع في مجتمعنا على أهمية الشكاوى، وهنالك إجماع أيضا على أن المسألة لم تعد فردية فقط بل هي مؤسساتية حتى النخاع، واليوم في كل وزارة ومؤسسة حكومية، إدارات وأقسام لتلقي الشكاوى والتظلمات ومتابعتها فهل يكفي هذا؟ لماذا يحتاج المشتكي في مجتمعنا أن يُشمر عن ساعديه ويصل إلى حد الاستنفار وربما يحتاج إلى شهور هذا في أحسن الأحوال وربما إلى سنوات ولا تستغرب من أن تكون النتيجة "فاي" بلغة الرياضيات؟ هل المشكلة في الناس؟ أم المشكلة في الجهات الحقوقية؟ أم المشكلة في الجهة الحكومية؟ إنني أتصور بأن المشكلة كل المشكلة تكمن في غياب القانون المدني العام والذي أثر بشكل كبير على نقص الوعي القانوني بعكس المجتمعات الغربية فالقانون المدني متوفر في كل منزل يتشربه حتى الطفل الصغير.

هناك من يتحدث عن حق جديد مشروع من حقوق الانسان لم أسمع به قط هو حق الخطأ، إنهم يتحدثون عن خطأ أبيض وخطأ أسود وخطأ رمادي مستمرين بلغة الألوان ويعود تبريرهم في حق الخطأ انطلاقا من القاعدة العامة التي عَبر عنها الحديث الشريف "كل ابن آدم خطاء" وأن ارتكاب الخطأ حق بشري لا يمكن تجنبه مهما بالغ البشر في الحذر من الوقوع فيه، هذه المقاربة المطاطية العامة لا يمكن الاستدلال بها لأنها تمس كرامة الإنسان وحقوقه فلا يمكن مقارنة خطأ إملائي بخطأ طبي... ولا يمكن أبدا تحت لافتة حق الخطأ أن تُرتكب ممارسات خاطئة تؤثر في حياة الناس. إننا نمر على أخطائنا مرور الكرام وغالبا ما نتأخر كثيرا في اكتشاف حجمها ونتأخر أكثر في الاعتراف بها ثم وهنا لب القصيد نتأخر حتى النسيان في محاسبة المخطئ.. حقيقة لم أقرأ في أي دستور في العالم بأن حق الخطأ حق مكفول لكل مواطن ولكن يمكننا أن نقول وبطريقة التفافية إن حق الخطأ حق مكفول ولكن بموجب القوانين التي تعاقب على هذا الخطأ.