يعاني البعض من حساسية مفرطة من قضايا المرأة، وبالرغم من أن الإعلام خلال السنوات العشر الأخيرة بات يتحدث عن أوضاع المرأة بصراحة وشفافية أكثر بكثير من السابق، سواء مظالمها أو نجاحاتها، إلا أن هناك من لا يزال يسألنا كلما أظهرنا تبرمنا من وضع ما أو تنظيم إداري ما: ماذا ينقصكم؟ وما الذي لا يعجبكم؟ ولهؤلاء أكتب مقالي.

ابتداء دعونا نؤكد للمرة المليون أن مطالبات المرأة السعودية الأساسية والتي تلتقي حولها المرأة من كل التيارات، هي مطالب مشروعة لا تتعارض مع الشرع الحنيف. ألم يدفعنا التدافع الشديد خلال مواسم الحج وهو من أركان الإسلام، إلى الأخذ بالفتاوى التي تهدف إلى تيسيره فيما يتعلق برمي الجمار مثلاً؟ وهكذا ينبغي أن يكون عليه الحال مع قضايا المرأة، فقاعدة درء المفاسد مقدمة على جلب المصالح والتي كثيراً ما اُستخدمت لتبرير تهميش المرأة، هي في الحقيقة تصب لصالحها، فدرء مفسدة الظلم هي الأولى من جلب بعض المصالح التي يباركها العرف.

ماذا ينقصنا؟ ينقصنا أن نشب عن الطوق ذات يوم، أن يكون هناك سن ما للمرأة كما للرجل تصبح فيه مسؤولة عن نفسها ومتحملة لعواقب قراراتها الصائبة والخاطئة. أما الذي لا يعجبنا فهو أن نعطى مناصب صورية تستخدم للتباهي بنا أمام العالم في حين أننا حقيقة لا نملك من الأمر شيئاً. الأستاذة الجامعية التي يفترض أن تصنع جيلاً نسائياً ناضجاً وواعياً بحقوقه، هي نفسها لا تستطيع أن تتخذ قرارات مصيرية لنفسها أو لطالباتها أو لكليتها دون الرجوع لقسم البنين في الجامعة، ولعل سكرتير هذا القسم يملك صلاحيات أكثر منها. وعليها ألا تستغرب أبداً إذا ما وضعت أسئلة اختبارات نهائية لطالباتها لتكتشف يوم الامتحان، مثلها مثل الطالبات، أن هناك من استبدل أسئلتها، أو فرض عليها الكتاب الجامعي الذي تدرسه.

قيل لنا بأن الدين والاحترام والعرف تفرض علينا أن نتعامل مع أقسام وفروع نسائية تراعي خصوصياتنا، ونحن نقول سمعاً وطاعة، فإذا لم يكن هناك داعٍ للتعامل مع الرجل فلا يجب اختلاقه هذا أفضل لنا وله، على شرط أن تكون هذه أقسام نسائية مستقلة، لا أن تكون مجرد واجهة لاستلام الطلب! هل يعقل أن أبسط معاملة في البنك مثل فتح الحساب أو الحصول على بطاقة ائتمانية أو تحويل مبلغ مالي لابن في الخارج يحتاج إلى موافقة المدير الكائن في فرع الرجال؟ لماذا لا تُعطى مديرات الفروع النسائية البنكية كافة الصلاحيات التي لدى المدير الرجل وهي تحمل نفس سنوات خبرته ومؤهلاته؟

الجامعة والبنك مثالان بسيطان جداً، يمكن أن نقيس عليهما، ماذا يعني أن تكون المرأة صورة وتتعامل مع صورة مثلها، لسبب لا نفهمه، فهل القوامة الرجالية أمر بين الرجل وزوجته فقط، أم أنه أمرٌ خاص بكل الرجال على كل النساء؟ هل هذا يعني أن سائقي مثلاً يمكن أن يكون مسؤولا عني بحكم ذكورته وأنوثتي؟ وبعد السماح بدخول المرأة إلى مجلس الشورى هل ستتمتع بنفس ميزات وصلاحيات زميلها العضو؟ إذا كان الجواب لا فأعتقد بأن ديكور المجلس لا ينقصه وجه نسوي جميل.

حين يبلغ الرجل سن الحادية والعشرين يصبح حراً، بإمكانه أن يعمل ويدرس ويسافر دون موافقة ولي أمره الذي كان يرعاه حتى وصل إلى هذه المرحلة التي يفترض أن يكون فيها قادراً على الاعتناء بنفسه ومعرفة الصواب والخطأ، وبالرغم من أن هذه ليست حال كل الشباب، فمنهم من يتورط في هذه السن أو بعدها في مشكلات عنف أو إرهاب أو إدمان على الخمر والمخدرات أو اعتداء على الأعراض لكن أحداً لم يطالب برفع سن الرشد إلى الخامسة والعشرين أو حتى الثلاثين، لأن هؤلاء شواذ والشاذ لا حكم له. فلمَ لا ينطبق الأمر نفسه على المرأة؟ يقال دائماً إن المرأة السعودية هي امرأة مؤمنة محافظة في الغالب، وإن المتبرجات أو السافرات أو المنحرفات هن شواذ لا قيمة لهن، بالتالي لمَ الخوف من منحهن الـحقوق؟

لو أن حظر السفر عن المرأة إلا بموافقة ولي الأمر رُفع غداً، وأصبحت كل امرأة فوق الحادية والعشرين راشدة مثل شقيقها، ماذا سيحدث؟ ستختفي كل النساء من البلد دفعة واحدة؟ أبداً، فسماح الدولة إدارياً به ـ كما كان الحال طوال التاريخ الإسلامي ـ لا يُلغي الجانب الشرعي الذي يؤكد على أهمية المحرم في السفر مع وجود رخص واستثناءات، والكثير من النساء سيرغبن في السفر مع محارمهن إلا لو اضطرتهن الظروف.. فالمرأة المسلمة تطيع ربها راغبة لا مجبرة.

تطالب الكثير من السعوديات بحقوق للمرأة، لكنني أرى أن كل هذه الحقوق ما هي إلا تفرعات ثانوية من القضية الأصلية، وهي إعادة النظر في مواطنة المرأة بشكلها الحالي، بل إعادة النظر في تعريف المواطن: هل يجب أن ينتمي لجنس (نوع) بشري معين؟ والمواطنون هل هم متساوون في الحقوق والواجبات؟ إذا كان الجواب بنعم فلمَ إذاً نشعر أحياناً بأنه تمت مجاملة مواطن (رجل) على حساب مواطن آخر (امرأة)؟

كمواطنة سعودية لا أريد أن أكون جوهرة.

كل ما أريده هو أن أكون مواطنة كاملة الأهلية، مثل أخي الصغير الذي حممته ذات يوم فشب عن الطوق بينما أظل أنا قاصرة للأبد.. أو حتى إشعار آخر!