يحتكم العرب لسلطان العاطفة، ويتخذونها مرجعاً يؤصل مواقفهم وميزاناً يحدد مواقعهم وفيصلاً لا يبارح أحكامهم.

ولأن العواطف تنقاد بمعسول الكلام لهذا بالغ العرب في اهتمامهم بعلم الألسن، وحفلت أسمارهم الشعبية ومهرجاناتهم السياسية بقصائد الشعراء مدحاً أو قدحاً، وصار في حكم المسلمات أن تتداول الأجيال شؤونها مع النظم الحاكمة وتتدبر المجتمعات شجونها مع المتغيرات الدولية بوسائط عاطفية لنبدو – اليوم – في مواجهة واقع مؤلم يؤكد مقولات معادية تقلل من شأن الأمة العربية والأسلامية وتسمها بـ (الظاهرة الصوتية).

نحن – هنا – لا ندين العاطفة، ولا نبحث عن إنسان آلي تحركه أدوات صماء، فالعواطف هبة الله وفطرته، وهي أجمل ما فينا عندما تتحجر القلوب وحين يسن قابيل شفيرته في وجه أخيه، ومتى سادت شرعة الغاب واضطربت قيم التعايش وغدت القوة الغاشمة مهيمنة على علاقات الدول ببعضها، وباتت المصالح المادية البحتة ناظماً رئيساً يحكم ويصوغ ويوجه أسباب الحياة بين البشر.

إننا نحتاج إلى العاطفة – في معظم الأحايين – بما هي الدليل الأول على إنسانية الإنسان ولكنها لا تكون كذلك في كل أحوالها.

إن مشكلتنا مع العاطفة أعمق بكثير مما نتصور لارتباطها الوثيق بمكونات الشخصية العربية وبيئتها الاجتماعية ومناهجها التربوية. إنها مشكلة ثقافية متكاملة الأركان، وتحول دون إحراز تقدم جوهري يرجح خيارات أمة لا نستطيع رؤيتها على صورة مختلفة عما كانته أوضاعها على ساحات داحس والغبراء، ولا تقبل رؤية أحد من أبنائها بعيداً عن "صفين" و"السقيفة" وهي لا تغفر لمثقفيها وزر التحرر من النص العاطفي بأحكامه المسبقة تجاه الأرجح من روايات الحق والباطل بين معسكرين.

إننا نسأل ما إذا كان لسياسات الإحياء العاطفي المتشنج صلة بمفاهيم العصر وتحدياته؟ ما الذي تفيده دولة إسلامية تحكم سياسات الإحياء الأصولي في أنحاء عديدة من البلدان العربية، التي يعيش بعض مواطنيها تحت خط الفقر وتعوزهم الحاجة إلى الحد الأدنى من الخدمات التعليمية والصحية، وكان بوسع هذه الدولة أن تمد هؤلاء بأسباب الرقي وتقديم وشيجة الحياة ومتطلباتها الملحة على الصراع المذهبي، وإذكاء المظلومية التأريخية بأسجاعها العاطفية التي تجعل من شج الرؤوس ولطم الخدود وعوداً بقدوم منقذ لم يغادر محبسه منذ ألف وأربعمائة عام.

الخطاب العاطفي المغاير يروي عطشاً من قعر بئر غارق بتباريح الزمن وموشحات الخصومة.

رؤية الحاكم لا يستقيم أودها دون مفاتيح ولاء عاطفي خادع، وتعبيرات الشعوب عن مشاعرها تجاه متخذي القرار في وطننا العربي والإسلامي لا تتأتي دون بهارج عاطفية وشعارات طافحة بالملق والتزلف، على أن هذا القدر الهائل من التشبع بالميول العاطفية ليس أكثر من غشاء مطاطي عازل تتوارى خلفه طبقة من مشاعر وتصورات مكبوتة نضمر بها نقائض ما نظهر.

لم يكن أحد يجهل شيئاً عن حقيقة نظام الأسد الأب ولا تنقصنا المعلومة الدقيقة عن نجله بشار، لكن العواطف أبت إلا أن تظل وحدها توجه وتحكم تصوراتنا المسبقة عن قوى الممانعة التي تتصدر الحكومة السورية جبهتها المركزية الكفيلة بتحرير القدس واسترداد الحقوق العربية المسلوبة، ولم تكن الروح القتالية الفائقة للجيش السوري في إخماد إرادة الشعب غير رسالة مفتوحة بأن لديها ما يكفي من القوة لتحرير الجولان لو كانت تلك رغبة النظام، ومع ذلك تضطرنا المؤثرات العاطفية لالتقاط الصورة من زاوية واحدة تدعونا إلى أخذ القوات المسلحة السورية بجريرة الدكتاتور الشاب دون المساعدة في تصحيح المفاهيم الاحترافية للجيوش، إذ إن جاهزيتها بتنفيذ الأوامر منوطة بوظائفها السيادية في ثغور الأوطان لا على نحورها.

إننا أحوج ما يكون اليوم وغداً إلى حماية مؤسساتنا الوطنية وقياداتنا السياسية من الدوافع العاطفية وإسنادها إلى العقل والمعرفة والمعلومة وإخضاع أداءاتها للتقويم والمراجعة.

لا يساورني شك بأن الدقائق التي قضاها معمر القذافي في مخبئه الأخير غيرت كل قناعاته، وجعلت كراهيته للقطيع الحزبي وشعاراته التي تمجد العقيد أكثر من حقده على الجماهير الثائرة ضده.

إن أعظم الانكسارات التي لحقت أمتنا في تاريخها الوسيط والمعاصر مردها إلى استبداد العاطفة وغلبتها، وإلا فعلى أي محمل غدت نكسة حزيران نفيراً يطلق الأناشيد الثورية التي تمنع من الوقوف على أسباب الهزيمة لا تبريرها. وهل كانت مؤسسات العمل العربي المشترك تبلغ مستواها الراهن من العجز لولا تحويلها إلى خطاب دعائي يكرس الوهم ويتغذى على العاطفة؟!

إن رياح التغيير التي تجتاح وطننا العربي وهي تشكل المخرج الملائم من الجمود الذي أصاب النظم الجمهورية توشك هبّاتها العاصفة أن تلفح عواصم أخرى، وغالب الظن لم تكن مبادرة العاهل السعودي إلى قيام اتحاد يجمع دول مجلس التعاون غير إعلان واضح يقاطع التصورات العاطفية في مجرى القرار الإستراتيجي، ويحمل بشرى الانتقال نحو محطة انطلاق ترفد إمكانات الأمل بأن شيئاً مختلفاً بمذاق آخر يمكن إنجازه بعد عمر من خداع العواطف وكبوات الأحصنة التي فقدت صهيل الخيول الأصلية.

إن ارتهان قيم الحق والعدل والمشاركة لرضا الحاكم أو سخطه – العاطفيين – وممارسة واجبات المواطنة على صورة رشاوى نلتمس بها مودة السلطة ابتغاء الحصول على عائد معنوي أو مادي إنما يعكس حجم الخلل في حيواتنا ويكشف سر العطب في علاقات المجتمع بالدولة.

لقد حان للأسئلة المحذورة أن تقف على قارعة الطريق، ولم يعد ممكناً المضي إلى المستقبل عبر القناعات المشفرة.