لا يمكن لي أن أنسى ما حدث في منتصف الثمانينات وفي التسعينات وحتى في السنوات الأولى من القرن الحالي، يوم أن شهدنا ربط الحزام والترشيد في المصروفات بحجة أن سنوات الطفرة ولت ولن تعود ثانية، وأنه ينبغي أن نتأقلم مع واقع مختلف عن سنوات مضت.

ولا يمكن لي أن أنسى تبريرات إلغاء بعض المشاريع أو تقليصها، وزيادة الرسوم على كل شيء تقريبا بعد أن كانت الرسوم شبه معدومة أو رمزية، حتى بات الراتب الشهري للمواطن أو ما يحصل عليه المتقاعد لا يكفى لمنتصف الشهر لكثرة المدفوعات وكثرة الفواتير المسددة شهريا مقارنة بفترة الطفرة التي قال عنها المسؤولون إنها ولت ولن تعود.

ولأن الرازق في السماء فقد قدر الله تعالى أن تعود الطفرة إلينا من عام 2004 تقريبا، وباتت الميزانية مزدهرة والمصروفات تسجل أرقاما قياسية، ثم بات لدينا فائض، ثم سمعنا لأول مرة في تاريخ بلادنا الرقم (تريليون ريال) ضمن مداخيل الدولة في عام واحد فقط، وبات الفائض بالمليارات، وحتما الكل يقول الحمد لله على هذه النعمة والكل يتغنى بها ويشيد ويثني، لكن المزعج لدي وفي ظني لدى معظم المواطنين يكمن في جانبين:

الجانب الأول يكمن في استمرار تلك الرسوم التي فرضت أو زادت قيمتها بعد حالة التقشف التي أعقبت زوال الطفرة الأولى ولم يعاد النظر فيها للتخفيف على المواطنين، وتحسين وضعهم المعيشي وفق توجه الحكومة المعلن ووفق رؤية الملك شخصيا في خطابه الأخير الخاص بالميزانية، وحتى يزول ذلك الانزعاج ينبغي من كل الجهات إعادة النظر في تلك الرسوم، والتخفيف من حالة الضغط على المواطن التي ترهقه في نهاية كل شهر بل أحيانا من منتصف الشهر.

أما حالة الانزعاج الثانية فتكمن في أنه ما لم نستثمر هذه الأرقام القياسية من المداخيل في تحقيق تنمية مستدامة فإننا سنعض أصابع الندم يوم أن تهبط أسعار النفط مثلما حدث في الثمانينات، وهذا احتمال وارد ومتوقع في أي لحظة، ومن ثم لن يكون مقبولا أو سهلا على الناس أن يطلب منهم من جديد شد الأحزمة وإلغاء الامتيازات والبدلات والعلاوات وتقليص المصروفات وإضافة رسوم جديدة أو زيادة قيمة القائم منها.

الطفرة الحالية ينبغي أن تستثمر بشكل استراتيجي لصالح المستقبل، وينبغي أن تستثمر لتحدث قيمة إضافية لنا في السنوات القادمة، حتى لا تكون مجرد أرقام ندفع ثمنها في مصاريف صيانة لمشاريع عملاقة نفرح بها الآن ثم نعاني من كيفية تشغيلها وصيانتها لعدم وجود مداخيل ثابتة أو بديلة لمداخيل النفط غير الثابتة، فقد مرت الطفرة الأولى ثم عانينا بعدها كثيرا فهل سنعاني بنفس المستوى أو أكثر بعد الطفرة الثانية أم هناك رأي آخر أجهله أنا؟