مع قرب الإعلان عن دخول المستثمرين الأجانب سوق الأسهم السعودية، وبالنظر إلى تجربة الاستثمار الأجنبي وما خلفته من آثار سلبية على الاقتصاد السعودي، يبرز عدد من التحديات والسلبيات المحتملة التي ينبغي أخذها في الاعتبار قبل تنفيذ مثل هذا القرار المؤثر على وضع ومستقبل سوق المال السعودي (الوحيد) في المملكة، وما يحمله من تبعات اقتصادية وأمنية واجتماعية، وخصوصاً أنه يمس شريحة كبيرة من أبناء وبنات البلد، ويتعامل مع المصدر الأساسي والمتاح لهم لتنويع مصادر دخلهم.

من أكبر التحديات التي تواجه سوق الأسهم السعودية انخفاض – أو غياب – ثقة المستثمرين السعوديين في السوق وتخوفهم من عدم وجود الحماية المطلوبة لاستثماراتهم. وهو تخوف مشروع ومبرر كنتيجة، أولاً، لما حصل من انتكاسة في سوق الأسهم في عام 2006 م، حيث هبط مؤشر سوق الأسهم السعودية بأكثر من (60%) خلال عام 2006 م، أو بأكثر من تريليون ريال من قيمته، مما قيمته أكثر من (2.4) تريلوين ريال بداية عام 2006 م إلى أقل من (1.3) تريليون ريال في نهاية العام، وما أعقبه كذلك من انخفاضات ليهوي بالمؤشر إلى مستوى الـ (4000) نقطة أو انخفاض بما نسبته أكثر من (80%) من قيمة المؤشر، أو بما قيمته تقريباً تريليونا ريال من قيمة الشركات المدرجة في السوق في حينه، مما أدى إلى خسارة الكثير لمدخراتهم ومديونية بعضهم وحتى مرض بعضهم أمراضاً مزمنة، وفي المقابل ما حصل من ثراء للبنوك وقلة من الأفراد المضاربين والمؤثرين على حساب أبناء وبنات المملكة.

ثانياً، يعاني أيضاً المستثمر السعودي من استمرار انخفاض أداء السوق وعدم تعافيه على مدى أكثر من (5) سنوات (2006-2011 م) بالرغم من نمو الاقتصاد السعودي الإيجابي وتزايد الإنفاق الحكومي غير المسبوق وتعافي البنوك السعودية وعدم تأثر الاقتصاد السعودي بالأزمة المالية عام 2008 م ونمو قيم عدة شركات وتحسن أداء عدد كبير منها وتحقيقها لأرباح عالية، وخصوصاً القيادية منها والمؤثرة على أداء سوق الأسهم السعودية بشكل كبير.

كل هذه العوامل، من وجهة نظر المستثمر والمهتم بالشأن الاقتصادي السعودي، تثير تساؤلات حول أسباب ضعف أداء سوق الأسهم السعودية، ودور ومسؤولية ومستوى أداء وفاعلية هيئة السوق المالية من الناحية التنظيمية والتشريعية والرقابية والمحاسبية والشفافية والعدلية، ومن المسؤول عما حصل في سوق الأسهم السعودية خلال السنوات الست الماضية؟، ولماذا لم يتعاف السوق على الرغم من الدعم الحكومي وأداء الاقتصاد السعودي الإيجابي؟ وما دور ومسؤولية هيئة سوق المال السعودية عما حصل؟ وهل الوضع الحالي (والمستقبلي) لتنظيم وإدارة سوق الأسهم السعودي مقبول وواعد ويساعد على تحسين وضع وأداء السوق؟

حتى نتفهم مدى تأثير هيئة سوق المال على أداء سوق الأسهم السعودية ودورها في أزمة عام 2006 م وكذلك ما يحصل حالياً في السوق، ينبغي أن نستعرض ونفهم الشكل التنظيمي للهيئة وطريقة إدارة وضبط ورقابة أداء السوق، مع ربطها بعمل ومستوى وكفاءة أداء السوق.

تتضمن مهام هيئة سوق المال عملية الإشراف على تنظيم وتطوير السوق المالية، وإصدار اللوائح والقواعد والتعليمات اللازمة لتطبيق أحكام نظام السوق المالية بهدف:

• توفير المناخ الملائم للاستثمار في السوق.

• زيادة الثقة في السوق.

• التأكد من الإفصاح الملائم والشفافية للشركات المساهمة المدرجة في السوق.

• حماية المستثمرين والمتعاملين بالأوراق المالية من الأعمال غير المشروعة في السوق.

كما تتمتع الهيئة بصلاحية تنظيم وتطوير السوق المالية، وتنمية وتطوير أساليب الأجهزة والجهات العاملة في تداول الأوراق المالية، وحماية المستثمرين من الممارسات غير العادلة وغير السليمة التي تنطوي على احتيال أو خداع أو غش أو تلاعب، أو التداول بناءً على معلومات داخلية، والعمل على تحقيق العدالة، والكفاءة والشفافية في معاملات الأوراق المالية، وتطوير الضوابط التي تحد من المخاطر المرتبطة بتعاملات الأوراق المالية، وتطوير وتنظيم ومراقبة إصدار وتداول الأوراق المالية، وتنظيم ومراقبة أنشطة الجهات الخاضعة لإشراف هيئة السوق المالية، وتنظيم ومراقبة الإفصاح عن المعلومات المتعلقة بالأوراق المالية والجهات المصدرة لها.

بنظرة أولية على مهام وصلاحيات الهيئة، يتضح التركيز على دورها في حماية المستثمرين وتوفير أعلى درجة من الشفافية من قبل الشركات المدرجة في السوق، وكذلك زيادة الثقة في السوق، فهل قامت الهيئة بدورها في هذا الاتجاه؟ ولماذا لم تتدخل الهيئة – وهي الجهة المنظمة والمديرة للسوق – لوقف ارتفاعات السوق غير المبررة في الفترة ما قبل مارس 2006 م؟ والتحقق من القيم العادلة للأطروحات الجديدة من الشركات وعلاوة إصدارها؟ ولماذا ما زالت ثقة المستثمرين في السوق منخفضة؟ وما هو دور لجان الفصل في منازعات الأوراق المالية في توفير الحماية للمستثمرين من أي ممارسات غير عادلة؟

من الناحية التنظيمية، تتبع لجان الفصل في منازعات الأوراق المالية هيئة سوق المال، مما يثير تساؤلات حول مدى استقلاليتها واستقلالية قراراتها وجدول أعمالها وأسلوب عملها عن الهيئة، ومن المعلوم أن الهيئة أو شركة تداول قد تكون طرفا في أي قضية تنظر أمام اللجنة، وكذلك استمرار تعيين نفس الأعضاء لثلاث دورات متتالية (9 سنوات)، مما يجعلنا نتساءل عن إمكانية تغير قضايا وقرارات الهيئة لو كانت اللجنة القضائية مستقلة!

أما بالنسبة لشركة تداول، فهي شركة مساهمة، حسب قرار مجلس الوزراء، وتدار من قبل مجلس إدارة مرشح من قبل هيئة سوق المال، وحتى تاريخه لم تطرح للاكتتاب العام، مما يثير أيضاً تساؤلات حول مدى تبعية شركة تداول للهيئة، وبالتالي عدم استقلاليتها عن اللجان القضائية التابعة للهيئة.