ما برحت العاصفة تبعث الكثير من الغبار صوب أفق لم تتضح معالمه بعد، وهي في بعض أحوالها تؤذي العين وتحجب الرؤية الواضحة لطبيعة كوامن وهوية التغيير ونطاق استهدافاته المحتملة.
النظام السيئ يؤاخي بين الأضداد ويصر على انتهاج سياسات تؤلب المجتمع عليه وتوحد الخصوم ضده، وذلك في تقديرنا هو رصيد الأنظمة ذات المشروعيات الغائمة، فهل ضخت ساحات الربيع بدائلها المستقبلية المغايرة..
تلتحم الصفوف ويسيل الدم وفجأة تغيب الرؤية الجامعة فتدب الانقسامات المبكرة قبل بلوغ الهدف.. ألم يكن هذا قد حدث في تجارب أخرى.. من قال إن التاريخ لا يكرر نفسه..
الدم المتدفق في ساحات تنشد التغيير يعاود البحث عن هويته الصغرى. كل قطرة تفتش عن فصيلتها لا لأنها لم تجد مكانها في مجسمات الحلم ولكن فعل السياسة المتماهي مع ثقافة الاستبداد استحوذ على الحلم الغض لنبدو ويبدو التغيير المنشود قبضَ ريح وعنفاً وغباراً.
أن يكون التطويح بالسلطة في هذا القطر العربي أو ذاك أول أهداف الثورة فذلك أمر مفهوم الدلالة بدهي الأسباب، أما وقد غدت السلطة لذاتها موضوعاً للصراع بدءاً من المنصات الخطابية للثوار وانتهاء بالتسويات الحزبية فإن توصيفاً مختلفاً يتعين الوصول إلى حقيقته ريثما نستطيع الحكم على مجريات الأحداث وقراءتها.إننا نطالب من الأشياء ما ليس منها ونجتهد في ترميم الخرائب المتهالكة ولا نلتفت إلى أساساتها الهشة لقد اخترناها سكناً للأجيال الشابة، فهذه العينة من المنجزات وحدها تمنح القوى السياسية التقليدية دورة جديدة لاستعراض بطولتها في انتشال الضحايا من بين الأنقاض.
الضرورة تقتضي تطبيع مجتمعاتنا على الرتابة والسأم لتأتي اندفاعاتها الثورية مثل عودة الشيخ المسن إلى صباه؛ ومع ذلك نغالي بالزهو ونواصل دأبنا على تملق الهزائم المبكرة في حيواتنا وادعاء البطولات الواهمة في تجاربنا.
تتواتر شواهد الإخفاق فلا نبحث فيها عن إمكانات للمراجعة أو نتداعى لمناقشتها ولا نعبأ لنتائجها ولا يروق لأحد الاعتراف بها، وإذا حدث ذلك فعلى سبيل التناصح بطي صفحة الماضي والتحضير لمصالحات سخية بين السوط والجسد،الضحية والجلاد،الانكسارات المحققة والمكاسب المرجوة..
عندما خرجت المعارضة السياسية التقليدية متوشحة عباءة التغيير لم تكن تعوزها الخبرة الطويلة في صناعة الأغلبيات والاستقواء بها بنفس طريقة الأحزاب الحاكمة، ولم تكن مثل هذه الخبرة لتفعل شيئاً غير احتواء ثورات الربيع العربي والانتقال بها إلى مربع الأزمة، ولاحقاً إلى دوامات صراع يعيد إنتاج الماضي ويفسد علاقات المجتمع بالتغيير، ويفضي بقواه الشابة إلى التواري بعيداً عن مشرحة الشعارات الموؤودة..
يحسب للحكام الذين غادروا – شأن آخرين على وشك المغادرة – تفانيهم في تأمين حاجة الثورة من الوقود إذ لولا إعراضهم عن إصلاح الأوضاع وركونهم على الولاء الخادع ما احتشد الناس عليهم أو نقموا منهم، لكن مسؤوليتهم الأخلاقية ستظل قائمة على المدى القريب جراء شراكتهم في تهيئة وتسمين البدائل السيئة!
ما يثير الاستغراب بالنسبة لهذه البدائل علاقاتها المتينة بمنظومة الديمقراطيات الغربية، ومعلوم عن هذه المنظومة شعارها القائل (المعارضة هي الوجه الآخر للسلطة) أي أن التغيير الذي ذهبنا لاستقباله يختلف عن المخرجات التي يحدد الخارج دوائرها تحت سقف الصراع وداخل مكوناته التقليدية سلطة ومعارضة!
ما الجديد إذن..؟ وما نوع التغيرات السياسية والقيمية والاقتصادية التي يمكن التنبؤ بها خاصة وأن مجريات الأحداث في بلدان الربيع العربي تتطابق مع مضمون الشعار الانجلو سياسي، عن الوجه الآخر للحكام وإذا جاز التسليم بأن الأصدقاء أولى برسم قسمات التغيير من شعوب المنطقة فلماذا لا يستخدم الغرب أدواته – على كثرتها وجاهزيتها – بدلاً عن توظيف مواجع المقهورين من قوى التغيير وطلائعه الشابة..
إننا مدعوون لإعادة النظر إزاء مجمل المسلمات الثورية التي بلغتها قناعاتنا في مواجهة الحكومات المستبدة، كانت تلك رغبة الأجيال الشابة من أجل المستقبل ولم تكن مجرد نزوة تنتهي إلى استبدال مستبد بآخر، ولا ترجيحاً لدفة أحد طرفي خصومة في الماضي ليرث حقناً في التغيير الجذري لصالح مستقبل تبنيه قدرات الشعوب لا خصومات المتشاكسين على مطامح السلطة وأهوائها بين متشبث بإغراءاتها ومستهام متهالك على بلوغ مقاليدها..
لو كان صراع الحاكم والمعارضة التقليدية يتعلق بوظائف السلطة طوال الفترة الماضية ما استطاع الغرب استخدام قضايانا المصيرية ضمن أوراقه ولا كان التغيير على هذا النحو من الاختزال الذي تجيزه معارف الديمقراطيات العتيدة وتساند صيغه الرثة..
الواضح أن التغيير بمقاس تطلعات الإنسان العربي المسلم ووفق شروطه لن يتأخر طويلاً وإن اقتضى الأمر تمارين قاسية على درب الإنجاز.
ويبقى السؤال الملح.. ما الذي تريده دول الغرب من الربيع العربي؟ ولماذا لا تعالج مشكلاتها مع القوى التقليدية والقومية واليسارية بوسائط أخرى لا يكون التغيير فديتها الأولى؟.. ولماذا تريد من ثورات الشباب أن تتحمل التزامات أميركا مع ما تبقى في سفر الحرب الباردة من استحقاقات..؟
أليس من أُمة أخرى تدفع فواتير الأخطاء المركومة جراء سياسات التجريب والتجارب الغريبة على رؤوسنا نحن دون غيرنا من عوالم وأوطان؟.. إنها أسئلة شائكة نحار أمامها ولا نحسن الإجابة عنها.