في الأوراق ما بين يدي، تشير التأمينات الاجتماعية في وضع (الحالة) إلى أن صاحبنا: حي يرزق. أما أنه – حي – فما زال هذا السبعيني يأتي إلينا سيرا على قدميه وما زال قلبه ينبض. أما أنه – يرزق – فلك أن تضع تحتها ما شئت من الخطوط الذابلة الصفراء وأن ترص خلفها ما أردت من علامات الاستفهام. أعلم مؤمنا أن الرزق من الله ولكننا مع الآلاف من مثل – صاحبي – نكذب على أنفسنا إذا ما اقتنعنا أنهم يرزقون وأنهم أحياء بحياة ولو بربع من الكرامة. الورقة نفسها التي قالت له في خانة – الحالة – إنه (حي يرزق) هي نفسها التي تشير في الخانة التالية إلى أنه (يتمتع براتب تقاعدي 1300 ريال) وسأهضم كل الكلمات ما بين القوسين إلا ما كان من (يتمتع)، فأي متعة مع هذه الملاليم الهلامية الكاذبة. كم هم الأحياء الذين تنبض الدماء في أوردتهم ولكنهم عبثا لا يرزقون. وعلى مشارف السبعين ما زلنا نجبر صاحبنا على أن يعمل، وعلى أن يريق ماء الوجه كي يجبر كسر الألف والثلاثمئة ريال التي كذبت عليه كراتب تقاعدي. من المؤسف جدا أنه يضطر لصبغ لحيته البيضاء كي يقنع شركة الحراسة الأمنية الخاصة بالقبول به. كي يضحك عليها ليبرهن أنه ما زال حيا كي يرزق. في السبعين من العمر ومن الحياة، يفترض أن يقطف مثل هؤلاء نهاية الحلم ولكن مثل هذا يعيشون على الأحلام. بعد سبعين عاما من الكفاح يقبض مثل صاحبي 1300 ريال وحتى بهذا الرقم المخيف، فما زال مضطرا أن يذهب للمشفى نهاية كل عام ليبرهن أنه ما زال (حيا يرزق) كي تستمر هذه المخصصات في الصرف. وبألف وثلاثمئة ريال ما زال صاحبنا – يحشو – في جوفها أجرة البيت الشعبي وكرتون الدجاج وكيس الأرز وزيت الطبخ والشاي والسكر ومن حسن الحظ أنه يجمع ثيابه وثياب أسرته من الحاوية التي وضعها فاعلو الخير أمام شركة النقل الجماعي ليرمي فيها الناس مالا يحتاجونه من الملابس القديمة. ومن حسن حظه أيضا أن شركة الحراسة تدفع الرواتب كل ستة أشهر ولهذا يجد قسطا محترما من عشرة آلاف، ودفعة واحدة، يسدد بها كل ديونه بما فيها أجرة – تصليح – العراوي المحجوزة في الورشة من ثلاثة أشهر.
قابلته بالأمس: ما زال حيا وأصبحت – العراوي – حية تسير معه: أحياء.... ولكن.