في سبتمبر عام 1978 تم توقيع ما يُسمى باتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية "كامب ديفيد"، بين الرئيس المصري الراحل السادات والرئيس الإسرائيلي مناحيم بيجن، وتُعتبر هذه الاتفاقية منعطفا كبيرا للتاريخ العربي المعاصر، والتي أسست للاعتراف الرسمي بإسرائيل دوليا وإقليميا، وكان لها آثار كبيرة إلى يومنا هذا.
ليس هدفي المحاولة لإعادة قراءة الاتفاقية، ولا لتناولها تاريخيا، بل لإثارة بعض القضايا الثقافية حولها، ومن أهم تلك الأمور؛ أن انفراد تيار معين بالقرار والسلطة دون إشراك الآخرين له عواقب سلبية كبيرة، سواء كان من اليمين أو اليسار، خاصة أن الأغلبية الساحقة في ذلك الوقت كانت ضد ذلك التوجه، سواء في مصر أو خارجها، وما زال العالم العربي والإسلامي يعاني من آثار تلك الاتفاقية إلى يومنا هذا. ولا أدري فيما لو استمر العرب وتبعوا مصر في مسارها ذلك هل ستبقى لهم قائمة أو لا؟ ولا شك أن وقوف المملكة العربية السعودية ضد هذا التوجه، وهي الدولة التي لها وزن كبير دوليا وإقليميا قد حدّ كثيرا من آثار ذلك التوجه.
وكما قادنا تيار اليسار في ذلك الوقت إلى الحرب والسلم كما يشاء، لا أدري عن حالنا اليوم؛ هل سيتكرر الخطأ ويستبد الآخرون في القرار اليوم، ويقومون بقرارات مصيرية دون إشراك الآخرين، سواء في مصر أو غيرها؟
لا أخفي تخوّفي وربما توقّعي لحدوث الكثير من هذا القبيل هذه الأيام، خاصة أن عددا من تلك الأحزاب الدينية التي فازت اليوم في عدد من البلدان العربية لا تملك الخبرة السياسية والاستراتيجية الكافية، كما أن الشعوب لم تعتَدْ بعدُ على التعدد السياسي وتكوّن قاعدة سياسية قادرة بشكل كافٍ على تحمّل المسؤوليات. ولا أعني بكلامي هذا وقوفي أمام تلك الخيارات الشعبية التي اختارت، وإنما أردت إثارة الموضوع لأهميته، ولئلا يتكرر الخطأ.
أعود إلى الاتفاقية وأقول: إنه في ظل استمرار الطرف العربي آنذاك في التنازلات، كان بيجن يستغل الفرصة ويعلن عن إقامة مستوطنات في الأراضي المحتلة، بل صرّح ذات مرة بأنه يُفضل فشل المعاهدة على فقدان إسرائيل مقومات أمنها، وهو يعني الأراضي المحتلة في قطاع غزة والضفة والجولان. ويبدو أن من أهم الدوافع التي دفعت الجانب العربي نحو تلك التنازلات هو استمرار شعوره بالهزيمة بعد حرب الأيام الستة، تلك الحرب التي كانت مبنية على العواطف وليس العقل والتفكير الاستراتيجي.
حصلت إسرائيل على اعتراف دولي واسع بعد الاتفاقية، ومهّدت الطريق نحو اعتراف العديد من الدول الأفريقية خصوصا وبقية العالم بإسرائيل، وبدءِ نشاط دبلوماسي واقتصادي معها. وكان من نتائج تلك المعاهدة؛ أن تمادت إسرائيل في غرورها وشنت حربها على لبنان بعد أقل من أربع سنوات. ولم يكن يخفي قادةُ إسرائيل إلى تاريخ قريب طموحهم في إسرائيل الكبرى التي تشمل عددا من العواصم العربية، إلا أن صمود المقاومة البسيطة والشعبية جعل العديد من تلك الطموحات تصبح أشبه بأحلام منامية لا يمكنها أن تتحقق ولله الحمد. فلولا المقاومة الشعبية التي تجاوزت ضعف القرار السياسي آنذاك لما كان الحال كما هو الآن. بل عند متابعة الكثير من أعمدة التخطيط الاستراتيجي الإسرائيلي؛ تجد بوضوح الشعور بالخوف والتشاؤم من المستقبل. ولو تخلصت إسرائيل من العقول المؤدلجة والمتشنجة لحقّقت الكثير؛ إلا أن الطمع والغرور اللذين لا ينفكان عن العقلية الإسرائيلية منعهما من ذلك، وسيأتي الوقت الذي يتمنون فيه أي إطار سلام جديد مهما كان، ولكن هيهات، فقد طارت الفرصة بما معها.
من أهم الدروس التي يجب أن نعيها بشكل جيد؛ أنه لا يجب على طرف أن ينفرد ويحاول سحب الآخرين معه في القرارات المصيرية خصوصا أنه يجب على التيارات ذات البعد الأيديولوجي خصوصا أن تُوازن بين الموروثات والمسلّمات العقائدية أو الفكرية وبين قواعد اللعبة السياسية المبنية على المصلحة والإمكانيات المتوفرة، بالإضافة إلى الظروف المحيطة. ثم إن هناك أمرا آخر مهما؛ وهو أن النجاح لا يكون سياسيا أو عسكريا فحسب، بل يجب أن يكون مبنيا على النجاح المعرفي والعلمي والاقتصادي أولا، فبدون تلك القاعدة لا يمكن أن يتأسس النجاح السياسي ولا العسكري. كما أن تجنب الحروب والصراعات مطلب ضروري يجب أن تسعى إليه كل الأطراف مهما كانت درجة الخلاف، حفاظا على الممتلكات والمنجزات والدماء وما إلى ذلك.
ولو تأملنا وقارنا بشكل محايد كم هو الفارق من حيث النتائج بين قرار الحرب في حرب 67 الذي أدّى إلى هزيمة ساحقة، وبين قرار سلمي اتخذه الملك فيصل رحمه الله بإيقاف تصدير النفط؛ لوجدنا فارقا كبيرا من حيث النتائج الإيجابية! ولكن العقول التي امتلأت بالأيديولوجيا المفرَّغة من التفكير السليم لا تستوعب الفارق. أسأل الله تعالى أن يديم علينا أمننا واستقرارنا، آمين.