المثقف هو الشخص صاحب الرؤية الحياتية الشاملة، التي يبلورها من خلال منهج علمي مدعمة بخلفية معلوماتية واسعة ومتنوعة من مجمل التخصصات والعلوم الإنسانية. وهو على اطلاع دائم ودراية عما يدور حوله من أحداث وما يحركها من دوافع ونزعات ويجيد تفكيك تعقيداتها وتجميعها في رؤية واحدة، يقدمها إما كحلول أو منطلقات لحلول لمشاكل وتعقيدات واقعه أو استشراف للمستقبل مبني على معطيات حياتية حاضرة وسوابق تاريخية مماثلة. إذاً فالمثقف هو نتاج نفسه وجهده ولا يمكن صنعه أو إيجاده؛ ولكن يمكن خلق البيئة المناسبة لإنتاجه ورعايته وتطوير إمكانياته والاستفادة منها. ليس كل مثقف متعلم (علم مدرسي عال)؛ كما أنه ليس كل متعلم مثقف؛ فهنالك فرق بين المتعلم والمثقف.

فعادةً ما يكون المتعلم متخصصا بفرع من فروع العلم أو المعرفة، وهذا مفيد في مجاله؛ ولكن لا يعني ذلك بضرورة اطلاعه على المعارف الأخرى، التي قد تخلق لديه رؤية حياتية شاملة أوسع وأعم. كما أن المثقف ليس بالضرورة متعلما، فقد يكون غير متخصص في علم معين ولكن اطلاعه الشخصي الواسع والمتعمق على كثير من العلوم والمعارف وهضمه لها، يخلق لديه رؤية حياتية شاملة، خاصة إذا دعمه باطلاع واع على ما يدور حوله من أحداث ومتغيرات، وعليه يدخل ضمن مسمى المثقف. كما أن المثقف ينغمس في الشأن العام من ناحية الطرح والنقاش والحوار من خلال كتب أو بحوث أو محاضرات وندوات أو كتابات بالصحف ولقاءات من خلال وسائل الإعلام المسموع والمرئي. إذاً فالمثقف هو كاتب، ولكن ليس بالضرورة كل كاتب مثقفا. فهنالك الكاتب الصحفي الخدماتي الذي يجيد متابعة قضايا الخدمات المقدمة للمواطنين وينقد تقصيرها ويكون له قراء ومتابعون كثر، حيث يلامس همومهم الخدماتية اليومية، ولكن عندما يدخل في نقاش حول مواضيع ثقافية عميقة، يدخلها بتسطيح ذهني مباشر، كما يفعل ذلك مع تناوله لمواضيع الخدمات.

قد ينتقل المثقف من مرحلة المثقف إلى مرحلة المفكر إذا أصبح له طرح خاص به من خلال مشروع فكري يضيف من خلاله رؤية نقدية جديدة أو تصحيحية على ما سبقه من طروحات فكرية وثقافية. إذاً فكل مفكر هو بالضرورة مثقف، وليس كل مثقف بمفكر. إذاً فالمثقف هو مشروع فردي لا جماعي؛ حيث يوجد مثقفون ضمن شعوب ومجتمعات، ولا يوجد شعوب أو مجتمعات مثقفة. ولكن المثقف بحاجة إلى جماعات مثقفة وقنوات ثقافة يتفاعل معها ومن خلالها يبلور رؤيته الحياتية الشاملة ويطرحها على محيطه الاجتماعي. ومما لا شك فيه أن المثقف يمتاز بذكاء فوق عادي وطاقة حراك فوق عادية وإحساس بالمسؤولية تجاه من هم حوله. هنالك مثقفون يظلون متصدرين لواجهة الحراك الثقافي في مجتمعاتهم، وهنالك مثقفون يفقدون توهجهم الثقافي مع مرور الوقت؛ لعدم مواكبتهم للزخم الثقافي المتجدد من حولهم. وهنالك المثقف العضوي الذي يتفاعل مع هموم وطموحات مجتمعه وهنالك المثقف (العاجي)، الذي ينظر لمجتمعه من خلال برج عاجي، وكلاهما خير من ناحية الثقافة النظرية، ولكن المثقف العضوي خير من الناحية النظرية والتطبيقية.

المثقف بطبيعته المعرفية المتسائلة والذهنية المتوقدة الباحثة بنهم عن أجوبة مقنعة وغير تقليدية يتجاوز ذاته ويتعالى على معطيات واقعه الموضوعية المتناثرة بفوضوية أو عبثية أمامه، فيسعى جاهداً لمحاولة إعادة ترتيبها ووضعها ضمن أنساق تاريخية أو وجودية منطقية. ولذلك فهو لا ينظر للأشياء بحساسية كما ينظر إليها غيره، ممن لم يتجاوز ذاته ويتعالى على معطيات واقعه الموضوعية، وإنما حساسيته تكمن في قلقة من فوضوية الأشياء المطروحة أمامه وعدم منطقيتها. ولذلك فهو يتهم بتحطيم المقدسات وخلخلة الثوابت وعمالته للآخر الموهوم "الماسوني" أو المعلوم الأجنبي أو المعادي. وبسبب ذلك، فليس بالمستغرب أن ينظر للمثقف بعين الريبة من مجتمعه وبعين الإعجاب من المجتمعات الأخرى وخاصة المتقدمة ثقافياً منها.

المثقف هو مشروع نقد وتصحيح لثقافة مجتمعه، ولذلك هو مقروء ومحتفى به من قبل من يتعاطون مع المنتج الثقافي ويستهلكون مخرجاته في المجتمع وهم القلة منه. وبما أن المثقف هو مشروع نقد وتصحيح فعادة ما ينظر إليه من قبل قيادات المجتمع التقليدية بعين الريبة والشك. حيث القيادات التقليدية تعيش وتنعم على سكنات المجتمع لا متغيراته؛ والمثقف عدو السكون ومحب وساع إلى الحراك الإيجابي فيه. ولذلك يتم التحريض على المثقف من قبل نخب المجتمع التقليدية؛ وعليه فالعامة كذلك تنظر إليه بعين الشك والريبة، إن لم نقل تناصبه العداء. فكثيرة هي الحوادث التي تم فيها تأجيج العامة على المثقفين، الذين فقد عدد منهم حياته على يد العامة، بسبب تأجيج النخب التقليدية لها عليهم.

وبشكل عام العلاقة بين السياسي والمثقف دوماً ما يشوبها التوتر وعدم الانسجام الدائم؛ بسبب كون السياسي تحكمه ضرورات آنية محددة، بينما المثقف تحكمه خيارات مفتوحة واسعة ومتعددة. السياسي يسعى لتقريب المثقف منه، كنوع من الدعاية والعلاقات العامة له؛ بينما يسعى المثقف للتقرب من السياسي كنوع من الحماية الذاتية من خصومه التقليديين. ولكن هذا التقارب بينهما سرعان ما ينفك أو يفتر بسبب ضرورات السياسي الطارئة من تحالفات جديدة أو تبديل في أجنداته السياسية أو خيارات المثقف التي قد تطرأ عليه في أي وقت من دون مقدمات.

العلاقة بين المثقف والمثقف في مجتمعه قد يبدو على ظاهرها سمة الانسجام والحميمية المتبادلة، ولكن تكمن في باطنها بذور التنافس على السيطرة على المشهد الثقافي المتغير والمتبدل في المجتمع. الغيرة بين المثقف والمثقف قد تصل بأحدهما إلى حد تسفيه رأي الآخر وحتى تحريض التوجهات التقليدية عليه. وحتى من يطرح نفسه على أنه مثقف ولا يجد له مكانا بين المثقفين، بسبب قصور في أدواته المعرفية ومنهجيته المعطوبة، سرعان ما ينقلب على المثقفين ويحرض العامة أو السلطة عليهم.

إذاً فالمثقف عادة ما يعيش في غربة مع ذاته ومجتمعه وحتى مع محيطه الثقافي وفي بعض الأحيان مع محيطه الأسري الضيق، حيث لا يحسن إدارة شؤون بيته المادية والحياتية اليومية، لتعلقه بهم إدارة القضايا الكلية لمحيطه المجتمعي المباشر والإنساني بشكل عام ومحاولة فهمها وإعادة ترتيب أولوياتها لتنسجم مع المنطق التاريخي والوجودي الذي لا يطمئن لغيره. المثقف مصيب جداً إذا أصاب ومصيب جداً كذلك إذا أخطأ. فخطأ المثقف يثير ويحرض غيره من المثقفين على البحث عن الصواب.

المثقفون في المجتمعات التقليدية قد لا يتعدون العشرات، والمفكرون منهم قد لا يتعدون أصابع اليد الواحدة. لا يكرم المثقفون في حياتهم وقد ينبذون، ولكن الأجيال القادمة في مجتمعاتهم، هي التي تستوعب طروحاتهم ومشاريعهم الفكرية والثقافية وتتبناها كمنهج سياسي – اجمتاعي – اقتصادي.

جميع الثورات الفاصلة في تاريخ البشرية قامت على أفكار ومشاريع مثقفين قد ماتوا غرباء وفقراء ومنبوذين. ولذلك فالمثقفون هم ضمير وعقل وعبقرية مجتمعاتهم، ولذلك فهم الخالدون فيها؛ وغيرهم أقرب للفناء.