ما زالت مشكلة أسعار طرح الشركات للاكتتاب العام تواجه عدداً من التحديات والتناقضات وخصوصاً في انخفاض سعر السهم بنسبة كبيرة عن سعر الاكتتاب، وذلك (فقط) بعد أيام أو أشهر من بدء التداول على السهم المعني، مما يثير تساؤلات مشروعة حول مدى عدالة وشفافية تحديد سعر الاكتتاب، وبشكل أكثر تحديداً مدى عدالة ودقة وصحة تقييم علاوة الإصدار. مع ما يواجهه سوق الأسهم من مشاكل تنظيمية وهيكلية ورقابية ومحاسبية وتنفيذية، تأتي قضية تحديد قيمة علاوة الإصدار كإحدى القضايا الأساسية المؤثرة على كفاءة وعدالة السوق ومدى تطبيق الحماية المقدمة من الجهة الحكومية المسؤولة عن إدارة وتنظيم مراقبة السوق كما نص عليه النظام الأساسي لهيئة سوق المال.
في بدايات عمل السوق، كانت أسعار طرح الشركات الجديدة تعتمد على تقديرات الشركة مع المستشار المالي المعين من الشركة، وبعد موافقة هيئة سوق المال على تقديرات الشركة، يتم طرح سهم الشركة للاكتتاب العام. وبعد تعدد وكثرة شكاوى المستثمرين في سوق الأسهم، وانخفاض أسعار هذه الأسهم عن أسعار الاكتتاب فيها بدرجة كبيرة ولافتة للنظر، قامت الهيئة باستحداث نظام سجل بناء الأوامر، الذي ينص على عرض سعر السهم المقترح من الشركة محل الاكتتاب على مؤسسات وصناديق الاستثمار الخاصة بحيث تقوم هذه الصناديق بشراء جزء من الأسهم المطروحة للاكتتاب إما بالسعر المقترح من الشركة أو من خلال سعر جديد تقترحه هذه الصناديق. وقد تم اختيار هذه الطريقة على أساس قدرة هذه الصناديق الاستثمارية على تقييم وتقدير قيمة سوقية عادلة، وبالتالي توفير حماية أكثر للمستثمرين ـ وغالبيتهم من الأفراد ـ في السوق وكذلك زيادة الثقة في السوق.
من الناحية النظرية، قد يبدو أن هذه الطريقة مناسبة وتخدم الغرض المأمول منها، وهو حماية المستثمرين وخصوصاً الأفراد في السوق من التذبذب الكبير في أسعار الأسهم المطروحة وانخفاضها بشكل كبير عن سعر الطرح الأولي، إلا أن آلية تنفيذ سجل بناء الأوامر وما يحصل من استمرار في تذبذب الأسعار كما كان سابقاً، أي قبل تبني نظام سجل بناء الأوامر، تثبت أن هناك خللاً وفجوة كبيرة بين مقصد وهدف نظام سجل بناء الأوامر والنتائج السلبية لتطبيق هذا النظام، الأمر الذي أدى إلى عدم تحقق الهدف الأساسي من تطبيق النظام، وهو توفير زيادة في الحماية للمتعاملين في سوق الأسهم.
ويكمن الخلل الرئيسي والجوهري في منهجية تنفيذ نظام سجل بناء الأوامر في أن صناديق الاستثمار التي استثمرت في جزء من الأسهم المطروحة تقوم وبشكل فوري بتداول هذه الأسهم في الأيام الأولى من بدء تداول أسهم الشركة تحت الطرح، وهذا يوفر حافزا قويا لهذه الصناديق الاستثمارية بتحقيق أكبر عائد على الأسهم المستثمر بها وبأسرع وقت ممكن، بينما لا يوجد لديها أي حافز أو رغبة حقيقية لاستمرار وتحسن أداء سهم الشركة المطروحة للاكتتاب على المدى الطويل، وهذا يمكن تفسيره وبكل بساطة بانقطاع العلاقة بين هذه الصناديق الاستثمارية وسهم الشركة المطروحة للاكتتاب، وذلك بعد تخلص هذه الصناديق من مخزون الأسهم التي تملكها والخاصة بالشركة المطروحة للاكتتاب.
ومن المفارقات أيضاً في نظام بناء سجل الأوامر المطبق حالياً عدم وجود أي التزام أو مسؤولية قانونية لصناديق الاستثمار في حالة انخفاض سعر السهم المطروح بعد تداوله – حتى بعد أسابيع – عن السعر الأساسي للطرح الذي قدمت هذه الصناديق شهادة فنية واحترافية بعدالة السعر المعروض للاكتتاب، كل هذا يثير تساؤلات حول مدى مسؤولية هذه الصناديق الاستثمارية والشركات المدرجة في السوق وهيئة سوق المال عن مدى عدالة وصحة الأسعار المطروحة، وخصوصاً في ظل ما ينص عليه النظام الأساسي لهيئة سوق المال في ضرورة التركيز على حماية المستثمرين في السوق وزيادة الثقة فيه.
في ظل الانخفاض في قيم الشركات بأكثر من 60% من قيمتها ما بين عام 2006 والفترة اللاحقة – وحتى تاريخ اليوم – أو ما يقارب من (2) تريليون ريال (سيولة حقيقية وليست على الورق) ذهبت من مجموعة أفراد ومواطنين عاديين إلى مجموعة أخرى ما بين البنوك وقلة من الأفراد سميت بـ"الهوامير"، وفي ظل انخفاض ثقة المستثمرين في سوق الأسهم، وفي ظل تركز المتداولين في السوق في الأفراد غير المحترفين وغير المتخصصين، وفي ظل عزوف المؤسسات الاستثمارية عن الاستثمار في سوق الأسهم، وفي ظل غياب رقابة على أداء الصناديق الاستثمارية بشكل مختلف عن الرقابة على الأفراد، وفي ظل استمرار التباين الفاضح في أسعار الأسهم بين أسعارها وقت الطرح وبين أسعارها بعد التداول، وفي ظل غياب الاستقلالية القضائية للجهة المعنية بالنظر في نزاعات الأوراق المالية، وفي ظل عدم استقلالية الشركة المنظمة والمديرة للتعاملات في سوق الأسهم "تداول" عن هيئة سوق المال وعدم طرحها للاكتتاب العام، وفي ظل طول إجراءات النظر في المخالفات والتجاوزات في سوق الأسهم وعدم وجود نظام واضح وشفافية كاملة تبين من خلالها أعداد القضايا المرفوعة وقيمها المالية والأطراف ذات العلاقة منذ بداية التحقيق، وفي ظل عدم وضوح آلية وقانونية التعامل مع الغرامات المالية التي تفرض على من تحكم عليهم هيئة سوق المال – وهي جهة غير مستقلة عن أي قضية – وما إذا كان يتم توريدها إلى خزينة الدولة أو إلى خزينة هيئة سوق المال وكذلك كيف يتم استخدامها، كل هذه المعطيات وغيرها تفرض وتؤدي بالضرورة إلى ضرورة إعادة النظر في تنظيم وإدارة وهيكلية ورقابة سوق الأسهم السعودية. ولعل من أهم المقترحات الفورية للتعامل مع هيئة سوق المال السعودي ما يلي:
1. فصل لجان الفصل في منازعات الأوراق المالية عن هيئة سوق المال.
2. طرح شركة تداول للاكتتاب العام، مع ضمان استقلالية مجلس إدارة الشركة عن هيئة سوق المال.
3. تحميل الشركات والمستشارين الماليين وصناديق الاستثمار المسؤولية القانونية والتعويض عن الضرر في انخفاض قيم السهم المطروحة للاكتتاب في حالة وجود انخفاض جوهري في السعر بعد التداول لفترة معينة.