لدينا مشكلة لا نخجل منها؛ تتمثل في عدم الوعي بالطفولة وحاجاتها النفسية؛ إذ يتم قمعها بعدم الحوار بكلمة "انكتم أو انكتمي" حين يبدأ الواحد منهم تعلم الكلام أو طرح الأسئلة بتهمة الإزعاج وقلة الأدب! وبغض النظر عن العنف النفسي والجسدي الذي يُمارس في حق أطفالنا ويعاني أكثرهم منه مما يجعل نشأتهم غير سوية، فهناك ما هو أكثر مرارة، وهو التعنيف، أو بمعنى أصح ممارسة التطرف تجاههم؛ إذ نتعامل معهم تعاملنا مع الكبار؛ بحجة التعويد والتربية الدينية! بعض الأسر تمنع أطفالها حتى الذين تقل أعمارهم عن ست سنوات من مشاهدة أفلام الكرتون بحجة أنها صور "أرواح" أو وجود موسيقى!! وليس هذا فقط؛ بل بعض الآباء يفرضون على أطفالهم ألعابا معينة ويحرمونهم من غيرها مما قد يرونه في أيدي أقرانهم من أقربائهم لذات الحجج! ناهيكم عن التخويف المستمر لهم بحريق النار وعذاب القبر كأسلوب تعليمي لمبادئ الدين دون رحمة بخيالهم الذي قد يمرض بصور مخيفة لا يدركونها!
هذا التطرف يمس حتى ما يرتدونه؛ فلا أستوعب مشهدا أراه عادة في الأسواق أو الأماكن العامة لطفلة لا تتجاوز الرابعة ويتم إلباسها الحجاب بل وعباءة صغيرة! فما هو المغزى من هذه العباءة التي تتخبط داخلها وتعزلها عن اللعب مع قريناتها في سن حقّها اللعب؟ هل هي فتنة في جسد ضئيل؟ أتذكر ذات مرة في مدينة الملاهي للأطفال؛ رأيت مشهدا لطفلة أشفقتُ عليها؛ داخل "لعبة السفينة" ضمن أطفال آخرين لكنها أيضا داخل عباءة أطول منها ترتديها من فوق الرأس مع نقاب لوجهها! ولأني لم أستوعب ذلك الجسد الصغير وتلك الحركات البريئة مع الأطفال أن تكون لامرأة؛ سألتها عن عمرها؛ فأخبرتني أنه تسع سنوات! ولا تتوقف المسألة على الإناث؛ بل حتى الذكور منهم؛ إذ تجد بعض الآباء يفرضون على صغارهم قص شعرهم بطريقة توحي أنهم في الأربعين من عمرهم، بل ويتم منع بعضهم من ارتداء بنطال الجنز وغير ذلك! ربما بعضكم قد يقول من الضروري فعل ذلك حتى يتعود هؤلاء على التدين، والصغيرات على العباءة والحجاب! لكنه اعتقاد خاطئ ـ في نظري ـ والمشكلة الحقيقية التي لا أستوعبها حين نرى هذا التطرف تُمارسه المدارس الابتدائية بوزارة التربية والتعليم؛ إذ تفرض بعض إدارات المدارس على طالبات الصفوف الدنيا لبس العباءة؛ والتي مع الأسف تكون سببا من أسباب حوادث السيارات لعدم قدرتهن على التحكم بها؛ إذ ينشغلن بها عن رؤية الطريق أو قد تلتقط أطرافها عجلات السيارة بعد إغلاق بابها!
أخيرا؛ صحيح أنه يجب الاهتمام بالتربية الدينية للأطفال، ولكن ليس بممارسة التطرف والتعنيف؛ بل بالترفيه واللعب معهم، نغرس الأخلاق والقيم عبر الحوار والقدوة السوية في محيطهم العائلي؛ هؤلاء الأبرياء يحتاجون إلى أن يستمتعوا بعفوية هذه المرحلة وجمالها؛ فلماذا نحرمهم مما فطرهم الله عليه؟ بل لماذا نستعجل إدخالهم لعالم الكبار المليء بالأقنعة والازدواجية والقوالب الشكلية التي لا تخرج عن سجن العادات والتقاليد؟