عندما انخفض معدل مشاركة الأميركيين في سوق العمل إلى ما دون 64% انشغل الساسة وعلماء الاقتصاد بهذا الحدث الكبير، إذ لم يصل المعدل إلى هذا المستوى منذ 27 عاماً. فماذا يجب أن نصنع ومشاركة السعوديين في سوق العمل لا تتجاوز 32% فقط؟
في أغسطس الماضي، أعلن مكتب إحصائيات العمل في الولايات المتحدة أن مستوى مشاركة الأميركيين في سوق العمل قد انخفض إلى مستوى 63.9%، وهو أدنى مستوى له منذ عام 1984. وكان هذا الانخفاض مؤشر خطر أدّى إلى مضاعفة الجهود لتحفيز توظيف الأميركيين، وتم بالفعل تمكن الاقتصاد من استيعاب عدة ملايين وتحسنت صورة التوظيف بشكل ملموس خلال الأشهر الخمسة الماضية، وانخفض معدل البطالة بشكل ملموس.
ومعيار المشاركة الذي أتحدث عنه يقيس نسبة من يعملون إلى إجمالي السكان ممن هم في سن العمل، وهو معيار لكفاءة الاقتصاد ومدى قدرته على الاستفادة من موارده البشرية، ويُلاحظ أنه يرتفع مع مستوى التعليم ومع ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي. فإذا كان انخفاض معدل المشاركة في سوق العمل إلى 64% اعتُبر كارثةً اقتصادية في أميركا، فماذا يكون الحال عندما ينخفض إلى 32%، كما هو الحال لدينا؟ فكما أشرتُ في مقال الأسبوع الماضي، فإن الإحصاءات الرسمية تُشير إلى أن ثُلث المواطنين في المملكة، أو 32%، ممن هم في سن العمل يعملون فعلاً، أما الباقون فهو يعيشون عالةً على العدد القليل الذي يعمل، مما يعني انخفاض رفاه الجميع وقدرتهم الشرائية.
ولا أخفي القارئ أنني عندما حسبتُ معدل المشاركة ووجدته بهذا المستوى المنخفض؛ تشككت في صحة المعلومات وفي طريقة حسابها، لأن مثل هذا المعدل (32%) لا يمكن أن يوجد إلا في اقتصاد متوقف عن النمو، وليس في اقتصاد ينمو بخطى متسارعة كما هو حال الاقتصاد السعودي الذي يتضاعف كل سبعة أعوام أو نحوها. ولكن بالرجوع إلى بيانات منشورة لعدة سنوات، على موقع مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات، وجدتُ النسبة لم تتغير كثيراً، مما يُستبعد معه وجود خطأ عرضي.
وهذه الصورة التي ترسمها بيانات المصلحة تجد ما يؤيدها في بيانات وزارة العمل التي نُشرت في الكتاب الإحصائي السنوي لعام 2010، الذي صدر مؤخراً. ويرسم الكتاب صورة مقلقة أخرى لوضع المواطنين في سوق العمل الخاص. فحسب هذه البيانات، بلغت نسبة السعوديين في القطاع الخاص نحو 10% فقط، أو حوالي 724 ألف مواطن من أصل سبعة ملايين يعملون في هذا القطاع، وهو ما يؤكد صحة بيانات المصلحة.
ومن الواضح أن هناك إدراكاً على أعلى المستويات لأهمية معالجة هذا الوضع، وربما هدفت التغييرات الوزارية الأخيرة إلى تحفيز التفكير في حلول حاسمة وسريعة لهذه الظاهرة المُزمنة.
ويبدو لي كذلك أن برنامج "حافز" يهدف إلى تغيير هذه الصورة، فالمفروض أن يساهم في رفع معدل مشاركة السعوديين في سوق العمل، ومساعدتهم على الالتحاق بوظائف مجزية، وتحسين مستوى قدراتهم الفنية والإدارية ويمكنهم من المنافسة والنجاح في سوق العمل. ولكن إذا أُهمل هذا الهدف فإن البرنامج قد يتحول إلى برنامج مؤقت للضمان الاجتماعي يعود بعده المواطن إلى ما كان عليه من البطالة وعدم القدرة على الالتحاق بوظيفة مجدية.
وتصب في نفس الاتجاه عدة قرارات اتخذت لتحسين فرص توظيف النساء الراغبات في العمل، وهن المجموعة الرئيسية التي تأثرت بانخفاض معدلات المشاركة في سوق العمل، ويشكلن النسبة الكبرى بين العاطلين عن العمل. وتبدو النقاشات الدائرة حول عمل النساء في بعض الحالات نقاشات بيزنطية لا تأخذ بعين الاعتبار الأثر السلبي لتهميش السعوديين في بلدهم، وحرمانهم، رجالاً ونساءً، من الاستفادة من هذه الفرصة الذهبية في تاريخ بلادهم وهي تنعم برخاء غير مسبوق.
فحجم الاقتصاد السعودي في نهاية عام 2011 قد بلغ نحو (2.2) تريليون ريال، بزيادة بلغت 28% خلال العام المنصرم، حسب بيان وزارة المالية المصاحب للميزانية. أما دخل الحكومة، كما أُعلن عنه في بيان الميزانية كذلك، فقد بلغ 1.1 تريليون ريال في عام 2011، أي أكثر من ضعف ما كان عليه في عام 2009.
ولكن كل هذه الأرقام قد لا تعني شيئاً للمواطن أو المواطنة إذا كانا لا يعملان ولا يحصلان على دخل مستمر من العمل.
ولهذا فإن الأولوية في عام 2012 يجب أن تكون لتصحيح هذه الصورة المختلة، لكي يستعيد المواطن دوره المركزي والرئيس في اقتصاد بلاده.