هل تتذكرون أغنية "يا روابي قباء"؟ ومن لا يذكرها؟ إنها للأستاذ غازي علي، الذي ينساب كالنهر من الذاكرة الغنائية العربية، فما زلت أتذكر جملته "الموسيقى حياة".. قالها لي حين قابلته منذ بضع سنوات بنبرة رزينة هادئة، كما هي نفسه المطمئنة، حين كنّا جلوسا في غرفة الدرس الموسيقية بشقته البسيطة بمقتنياتها. لقد كانت غرفة الدرس التي تخرج منها عدد من نجوم اليوم ممن باتوا يسكنون بيوتا فاخرة، أمثال عباس إبراهيم وطلال سلامة ووعد وغيرهم، أما غازي الذي تجاوزت سنواته السبعين، فلم يعرف خلالها سوى عشقه للموسيقى وشغفه باليوغا وتعلق قلبه بامرأتين فقط طوال حياته، هما والدته معزوزة الدسوقي التي كان لدندنتها بصوتها الجميل لأغنيات أم كلثوم وأسمهان وهي تلاعب صغارها الأثر الكبير في نفسه..، أما المرأة الأخرى فهي من أقباط مصر .. طرقت قلبه فترة شبابه أثناء دراسته بمعهد الموسيقى في مصر، ولكن لم تكتب الأقدار لهما الزواج بسبب رفض أهلها لتطرف ديني فخاف على حياتها، وغادرها، لكنها لم تغادر قلبه الذي أغلق أبوابه من كل النساء لفرط شفافيته وإنسانية الإنسان داخله، وهو الذي أبكته الموسيقى أول مرة حين سمعها من مذياع خاله وهو في الرابعة من عمره.
"بابا غازي" كما يناديه أحد ببغاوين يربيهما ويؤنسان وحدته، كان طفلا يتيم الأب منذ الثالثة، لكن نشأته بين جنبات الحرم النبوي بالمدينة المنورة، وانسكاب رطوبة الأذان بحلاوته في أذنيه، وحنان أمه التي بقي خادما لها بِرا بها إلى أن توفاها الله تعالى، كل ذلك كان له عظيم الأثر في نفسه، فحين أحدثه بين فترة وأخرى أشعر بهيبة أمام هذا العملاق رغم تواضعه وإنسانيته، إنه الأستاذ الذي سافر إلى القاهرة ولم يتجاوز 17 سنة، حاملا معه أمنية وأغاني سجّلها للإذاعة السعودية، فقد كان أحد أطفالها الذين شاركوا ببرامجها مع رفقاء له أمثال بدر كريم، وتوجه لدراسة الموسيقى في المدرسة الإيطالية ثم في معهد "الكونسرفتوار"، وفيه قابل عمالقة الموسيقى العربية أمثال السنباطي، الذي كان له أثر في نفسه، وكيف لا؟ وقد وصفه في أحد حواراته بأنه أفضل تلامذته العرب.
الأستاذ كان أول السعوديين ممن حصل على شهادة أكاديمية في الموسيقى، ومنذ عودته للوطن وهو شاب كانت أحلامه كبيرة في إنشاء أكاديمية لتعليم وحفظ تراث الموسيقى، وحقه أن يكون أستاذا بها، لكن الأحلام مع الزمن البطيء انحصرت في شقته الصغيرة وتلامذة ينتقيهم بشدة، ليعتاش، بعد أن اعتزل الساحة الفنية مكتفيا بحياة زاهدة في ترف يعيشه من هو أقل منه مكانة وخبرة، مكتفيا بتسجيل 80 عملا، تلف بعضها نتيجة إهمال تخزينها في الإذاعة، فيما لديه أعمال عملاقة لم تُسجل لضعف الدعم والإمكانات!
أخيرا، أطال لنا الله في عمر الأستاذ وعافيته، وأترككم هنا مع "يا روابي قباء" .
http://www.youtube.com/watch?v=p2Z6YDkzg0Y&feature=related