من منا لم يسمع وهو يقشّر سنواته الأولى، أحد كبار السن وهو يقول له بثقة: "ياولدي نحن نفهم كل شيء"، أو لمعلم / شيخ يصرخ بوجهه: "لا تخض في مثل هذا.. لا تسأل عن ذاك"! تلك العبارات تحاول اختصار التالي: "حينما كنا بمثل عمرك كنا أفضل منك بشكل مدهش، وأنك إن لم تستحضر حجم كفاءتنا حينها فإن عمرك القادم سينقص، وإن لم تتشبه بنا فإنك - أيها الصغير - ستكبر وأنت رجل غير مكتمل، وإن لم تقلدنا بأدق تفاصيل ما كنا نفعله، فستصبح حياتك لا طعم لها ولا رائحة.. لا تسأل، هزّ رأسك دائما بالموافقة، وتأكد دائما أننا أعلم منك"، وبشكل أعمّ: تلجأ الثقافات الواهنة، للماضي بكل مرة تشعر فيه بتأخرها عن الركب، وإيمانها بصعوبة اللحاق بهم، ومنافستهم، وحين أعجزها ذاك؛ تعيد تكرار قصصها البطولية التي عفا عليها الزمن، وكيف أنها كانت مجتمعات فريدة من نوعها، يشير لها من كان بالشرق والغرب، وتبهر بما تقدمه كل الدنيا، حاشدة بذات الوقت ما استطاعت حشده لمحاولة تقديم الماضي على أنه المرتكز، وبأن التراث هو المفترض، فتبدأ رحلة البحث عن الرؤى التي شبعت موتا لإحيائها مؤمنين بأنه: كلما ماتت الآراء، زادت قداستها.. وسمح التمثيل بها عند كل مناسبة والترويج لها، بل والافتخار بذلك، لا يقف الأمرعند هذا الحد عادة، بل تبدأ حكاية انتقاص كل من يحاول التجديد، أو الخروج عن السائد الذي شبع جمودا.
لا يمكن لمن يقلد أن ينتج، ومن يحاكي تجارب الأولين أن يحدث فرقا، ليس بسبب سوء ما كانوا عليه، لكن لعدم مناسبتها لما نحن عليه.. فمن لا يتغير: يصبح تمثالا يكسره الزمن و.. العالم المتغير أيضا.