نحن أم الزمن، الداخل أم الخارج، السلطة أم المعارضة، القدر أم الإرادة من الذي يتحمل المسؤولية – من بين هذه المفردات – عما كنا فيه بالأمس وصرنا إليه اليوم وسيلازمنا مع قابل الأيام وتوالي الحقب؟
نعاقب على ماذا؟.. ومن الذي يمتلك الحق في تقرير العقوبة وتقديرها وإنفاذها كلما لاحت بادرة أمل أو تسللت نقطة ضوء؟
لا نعيش أحلام اليوم ولا نحس بقيمة الذكريات التي عشناها بالأمس وتكاد أوضاعنا الثابتة برتابتها المعهودة تغدو فطرة نولد عليها وكذلك نقضي أيّما الأجلين.
التكرار سمة العرب وإن أنكروا، والتطبيع على دوام الحال سياسة رسمية يمولها دافعوا الضرائب في أوطاننا وإن لم يكن هذا في علمهم.
النهوض في ثقافتنا المجتمعية مجرد نزوة ترتطم بنا حيناً ونتعثر بها في معظم الأحايين.
إن أمة تتغذى على العناد وتصر على المكابرة باعتبار قديمها جديد – هي ولا ريب – أحوج ما تكون إلى ثورة معرفية تتجاوز مألوفاتها ومعلوماتها ويقيناتها إلى ما يجعل منها كائناً يبدع ذاته ويعيد اكتشاف ما حوله، ويستطيع بالاعتماد على المعرفة وقيم المشاركة والتعايش أن يدير محركات المصلحة، أو الضرر بإرادته الذاتية المتحررة من الاستلاب بكل أنماطه ومن الارتهان بمختلف أشكاله وصوره.
القرارات التي تتخذ هذا العام كانت الحاجة إليها قبل عشر سنوات والسياسات التي اعتمدت لمواجهة متطلبات مستقبلية على مدى ربع قرن ليست أكثر من استخلاصات أولية تخص بعضاً من أولويات فات زمنها مذ نصف قرن.
لا جديد على صعيد القضايا المطروحة للنقاش ولا كاريزما مبهرة تتصدر سياسات بعض الأنظمة العربية، وما من مفاجآت مستقبلية مهمة على جداول أعمال ثورات الربيع العربي.
بوسعنا عمل الكثير دفاعاً عن حق الآخرين في استغفالنا، ما يجعل التكرار خاصية عربية بامتياز.
قبل ما يزيد عن خمسة عقود من الزمن، كانت أحوال مجتمعاتنا ومعايشها الاقتصادية أشد سوءاً مما هي عليه في أوضاعها الراهنة، ومع هذا فإن قضاياها وخياراتها وثوراتها لم تكن باهتة وسطحية على نحو ما تشي به متغيرات الساحة العربية في الوقت الحاضر.
يصعب أن تكون الأجرام الصغيرة منصات ملائمة تنطلق عبر مؤثراتها ثورات حقيقية كبرى، هذه الملاحظة لا تغيب الباحثين عن دور ولا تزدري الجاهزيات الأخرى للعب أدوار موكلة، وتصب في خدمة إستراتيجيات دولية؛ إذ الأجدر بالازدراء ليس أكثر من الأنظمة التي فقدت رشدها وخسرت ثقة شعوبها واضطرت الإنسان لطلب النجدة من كوارثها وإن عن طريق الاستعانة عليها بالشيطان.
والآن.. الآن وليس غداً. أليس ممكناً التفرس في مخرجات الثورات العربية في الثلث الأول من القرن العشرين ومقارنتها بما تمخض عن أغلب ثورات الربيع العربي.
عبرت ثورات الأمس عن نفسها بوصفها خطاً فاصلاً حاسماً جذرياً بين زمنين ماض وحاضر، هكذا قالت بداياتها أو بالأحرى هكذا جاء خطابها العام، قد تختلف تقويماتنا لمستوى الأثر الذي تركته كل حالة على مصالح الناس ومستقبلياتهم، لكننا نعترف بقدرة تلك الثورات على إنجاز معناها بأدوات الثورة ذاتها وبرؤيتها وبما استحضرته لنفسها من مهام.
فلماذا تغدو مخرجات الربيع العربي مدعاة رتابة.. أهي حالة ندم كالتي تغشى عزائم المستغفرين من ذنوب مبيتة، أم أنها مجرد أمثولة (شيزوفونيا) تدمج الثورة بواقع الحال لتكون جزءاً منه وضمن معادلاته الاعتيادية؟
إن أسوأ صور الرتابة تلك التي تنشأ بفعل تخثر دماء الثوار وصمت أرواحهم على شاكلة هدوء الثائرة توكل كرمان بعد تشكيل حكومة الاتفاق السياسي بين مرجعيات الصراع التقليدي في اليمن!
السياسيون في المجتمعات النامية يحترفون صناعة الملهاة، ويدعون الديموقراطية، وينشغلون بها عن صناعة التاريخ. ولذلك تبدع الضغائن فلسفتها في احتواء الجراح الطرية لدى البسطاء، ويتمكن الواقع من إعادة تأهيل نفسه وتطوير شروط استدامته، ولا يغير في الأمر اتساع دائرة الصراع بين أطرافه ولا أن تنطوي ثنائيته الانقسامية على منتصر رهن سيفه للحظة انتشاء عابرة، ومنكسر يستجمع من حطامه بيارق ثأر فتلك مسألة أخرى مقدور على تحجيمها.. ذلك أن تعبيرات الماضي بطغيانها على معادلات الواقع تضفي على مكوناتها السياسية والتنظيمية نفس القدر من الحساسيات الدفاعية في مواجهة عوامل التغيير الجذري الذي عجزت الأجرام الصغيرة أن تؤمن حاجته إلى منصات إطلاق توازي أهدافه بعيدة المدى.
في الحقيقة؛ إن الزيوت المعدة لطبخ الوجبات المنزلية الخفيفة لا يمكن بل ويستحيل استخدامها في محركات (دراجة نارية) ما بالك عند إفراغها في رافعات ضخمة تحمل قضايا وتطلعات الشعوب ويعول عليها انتشال الواقع من وهدة الجمود إلى مرافئ التغيير من أجل الأفضل وبالأفضل.
إن اعتقال ثورات الشباب والتواطؤ على تسليم زمامها لشروط الواقع ومؤهلاته وخبرات أطرافه سيؤدي إلى المزيد من الرتابة واليأس ويدفع الأجيال الشابة إلى انتهاج وسائل لا تساعد على تعظيم رسالة الحياة، وربما أدى بها الأمر إلى اعتناق مفاهيم متطرفة تشجع على تقويض الاستقرار في المنطقة العربية وتهدد السلام والأمن الدوليين..
بيد أن العقل السياسي المأزوم يملي قناعاته مستنداً لمثاقفات الغلبة بين منظوماته وهو وإن وظف ثورات الربيع وقوداً لتسوياته المنتظمة إلاّ أن إرادة التغيير تظل ذاكية وفي الشعر..(أول الغيث قطر ثم ينهمر)!