كتبت مقالاً في 11/ 11/ 2011 بعنوان "حتى تتأدب مريم!"، وأذكر أنني أخبرتكم فيه أن موعد الجلسة الأولى لمريم في شهر صفر، وفي الحقيقة أنني حرصت على أن أعرف ما حدث في تلك الجلسة، وقد تلقيت اتصالاً من مريم مشكورة تخبرني فيه بما حدث، وأن القاضي ولله الحمد عاملها بتقدير وأبوة كبيرين، وحرص على جعل الحضانة لها، وأن صغيريها لديها الآن، ثم أخبرتني أن القاضي سألها إن كانت تريد خلعاً أم فسخاً، فتسرعت وذكرت أنها تريد خلعاً، قالت مريم إنها وعلى الرغم من تخصصها في الدراسات الإسلامية لم تنتبه للفرق؟
فيما سبق ثمة نقاط أود التوقف عندها وهي:
النقطة الأولى: أن ثمة تغيراً كبيراً في موقف القضاة من قضايا الحضانة وفي تعاملهم مع المرأة المدعية، وهو ما كنا ننتظره حقيقة، وما نظن أن هؤلاء الفضلاء قادرون عليه؛ فليس من طباع المسلم الاستقواء على الضعيف، فكيف به وهو صاحب حاجة؟ وقد كنت تحدثت في الحوار الوطني حول أهمية إنشاء محاكم خاصة بالأسرة، فالقاضي لا يستطيع إدراك كل أبواب الفقه إلا في مخيلة البعض، فتصور أنه في اليوم الواحد ترد إليه قضية في باب الحدود، ثم قضية في باب المعاملات، ثم قضية في الطلاق! كما أننا بحاجة لكثير من التغيير في الآليات التي تعمل بها المحاكم، فبعض إجراءاتها توحي حقيقة برضاها عن هذا التسيب، فتصور أن تطلق امرأة ولا تعلم بأمر طلاقها إلا من الناس، بينما في الدول الأخرى لا يطلق إلا أمام القاضي وبحضورها، فلِمَ لا نلزمه نحن بألا يحرر طلاقه إلا بحضورها من باب سد الذرائع، فما يدرينا لعله سيئ نية أو لا يخاف الله عز وجل.
النقطة الثانية: أن كثيراً من النساء لا يفرقن بين الفسخ والخلع، فإذا اكتشفت في زوجها ما يعيب سارعت هي وأسرتها بطلب الخلع، والمفترض أن تطلب الفسخ، فالخلع يكون فقط عندما لا يكون في الرجل ما يبرر طلبها للطلاق؛ لذا تُطلق منه وتدفع ثمن هذا الطلاق؛ لأنها سبق أن تزوجته برضاها، وأخذت صداقاً - أي مهراً - على ذلك، أما الفسخ فيكون عند اكتشاف عيب فيه أو قيامه بهجرها وعدم أداء واجب الزوجية، لذا هي لا تدفع بل تحتفظ بالمهر نظير ما استحل منها.
النقطة الثالثة: أن هؤلاء الأطفال الذين حكم القاضي بهم لمريم مروا بفترة عصيبة من حياتهم، لا أظنهم سينسونها بسهولة، فأين مؤسسات حماية الطفولة ورعايتها في بلادنا؟ ماذا ستفعل إدارة التربية والتعليم في جدة وهم قد حرموا من دراسة الفصل الأول؟ فهل نجد لطفلي مريم ومن هم في وضعهما جهات تتولى شؤونهم؟!
أود أن أختم المقال بقولي إن مريم هي مجرد أنموذج لوضع تجد عشرات النساء أنفسهن فيه، ويكتشفن معه أن الظلم وقع عليهن بسبب فجوات عدة في النظام تخرج به عن مقاصده، فإذا استطعنا ملاحظتها سنحمي أهم عنصرين بشريين تحرص عليهما المجتمعات المتطورة وهما: المرأة والطفل.