عند وفاة أحد الأدباء، أصبح من الطبيعي أن نقرأ كتابات كثيرة عنه وعن حياته في ما يشبه النسخ والنقل من وسيلة إعلامية إلى أخرى، ومن منتدى إلكتروني إلى آخر وهكذا، وفي الغالب تكون المعلومات مكررة وهو أمر مفروغ منه، لأن الحديث عن شخص واحد، ولا عيب في ذلك، بل هو دليل على أهمية ومكانة المكتوب عنه.
فمثلا بعد وفاة الروائي المصري إبراهيم أصلان الأسبوع المنصرم نشرت الكثير من التقارير الصحفية عنه في معظم الصحف ووسائل الإعلام العربية، لم يلفت نظري فيما قرأت سوى معلومة تقول إن الروائي الكبير نجيب محفوظ هو من كتب خطاب طلب "تفرغ للكتابة" لإبراهيم أصلان إيمانا منه بموهبة ذلك الشاب الذي أصدر في ذلك العام أولى مجموعاته القصصية. حينها عادت إلى ذهني عشرات المقالات والتحقيقات الصحفية التي نشرت في الصحافة السعودية عبر عشرات السنين، التي تطالب بإيجاد نظام لتفريغ الأديب في المملكة، فعلى الرغم من أنني أراها خطوة مهمة للاعتراف بدور الأديب كما يحدث في جميع دول العالم، إلا أن ما دار في ذهني لحظتها كان أبعد ما يكون عن مسألة التأييد أو الرفض ذاتها، حيث بدأت أصارع "حلما" عن أصداء صدور القرار في الإعلام المحلي، فرأيت الأمر ـ كما يرى النائم ـ عناوين ضخمة في الصفحات الأولى للصحف الورقية والإلكترونية وصورا لبعض الوجوه "الثقافية" الدائمة الحضور و"التطبيل" لأي قرار حتى وإن كان عن تخفيض سعر البصل! تقابلها بيانات شجب واستنكار لهذه الخطوة (المشكوك في أهدافها) من الوجوه الأخرى التي ترى أن كل من كتب نصا أدبيا لا يعود في مضامينه وأسلوبه للقرون الأولى، فهو في حقيقته "علماني ليبرالي تغريبي يريد هدم أخلاق العباد". ثم تبدأ "داحس وغبراء" جديدة بين الطرفين أبطالها الوجوه "إياها" التي تتصارع حتى على لون كرسي الأستوديو الفضائي الذي تطل على العالم منه.
وفي لحظة تصاعد الصداع في رأسي جراء ذلك الصخب الذي يهز المكان ويسمع لآلاف الكيلومترات، لمحت أحدهم ـ في الحلم طبعا ـ يدخل إحدى بوابات الجهة المعنية خفية و"دون ضجيج" حاملا في سيارته "الوانيت" إحدى "المنقيات" التي اشتراها قبل شهر من مهرجان "المزايين" ومعها القصيدة التي كتبها "شاعر ما" فيها، متوجه بمعروض "طلب تفرغ أدبي" لأنه اشترى القصيدة ـ التي ملأت الآفاق صيتا ـ فأصبحت ملكه، وبالتالي فهو شاعر "فحل" يستحق التفرغ لرعاية "منقية" جديدة والبحث عن "شاعر آخر" ليكتب لها قصيدة تبث في مهرجان العام المقبل. وفي الحقيقة لا أعرف هل قبل الطلب أم لا، لأنني صحوت مفجوعا أصيح "لا تفرغ بعد اليوم..لا..لا، فهم أشغلونا وأزعجونا وهم غير متفرغين.. فكيف إذا تفرغوا؟".