فيما كان الإعلاميون يستعدون للمؤتمر الصحفي الذي قرّرت الهيئة العامة للسياحة والآثار تنظيمه في الجبيل للإعلان عن تفصيلات كشفين أثريين مهمّين؛ كان المؤرخ والباحث الأثري عبدالخالق الجنبي يصرّح لـ "الوطن" بما يراه خطأ تاريخياً وقعت فيه الهيئة في تسمية أحد الموقعين المكتشفين.
واتهم الجنبي الهيئة باتباع أخطاء المؤرخين في تسمية أحد الموقعين المكتشفين والذي يخص "مملكة جرهاء"، وقال: الاسم الصحيح للمملكة التي قضى عليها الملك الفارسي أنطيوخس الثالث هو (جِرّهْ) وليس (جرهاء)، وأضاف "ووقع الخطأ حين ترجم الباحث العراقي جواد علي الاسم من اللاتينية في كتابه (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) ليتّبعه المؤرخون في هذا الخطأ، ويصل الخطأ إلى ملفات ومحاضر وأبحاث هيئة الآثار والسياحة بالمملكة".
وأعلنت هيئة السياحة والآثار أمس عن كشفين أثريين تاريخيين يقعان في مدينة الجبيل يعود تاريخ أحدهما للقرن الثالث قبل الميلاد والآخر للقرن الأول الهجري.
رأي شخصي
ونقلت الهيئة الإعلاميين في حافلة خصصت للقيام بجولة على آثار القريتين المكتشفتين، وكان نائب رئيس الهيئة لشؤون الآثار الدكتور علي الغبّان يتحدث، ويسرد التفاصيل الأثرية والفنية، وعندها واجهته "الوطن" بسؤالها المبنيّ على إفادات الجنبيّ، ليشير الغبان إلى إشكالية التسمية بقوله "تظلّ رأياً"، مضيفاً "معظم المصادر التاريخية تؤكد أن الاسم هو "جرها"، بما في ذلك الكتابات النبطية". وبدورها حملت "الوطن" رأي الغبان إلى الجنبي الذي ردّ من جهته بعرض ثلاث وثائق تاريخية وصفها بأنها موثوقة على نطاق عالمي.
الوثيقتان الأولى والثانية هما خريطتان بطليميتان ورد فيهما اسم الموقع بصيغة Gera وصيغة GERRAEI أما الوثيقة الثالثة فهي صورة لواحدة من برديّات "زينون" الإغريقية الموجودة حالياً في المتحف المصريّ، وفيها ورد اسم الموقع بصيغة "جـِرّهْ"، وليس "جرهاء".
ويؤكد الجنبي أنه سبق أن أمضى سنوات في البحث وخرج بكتاب ضخم حول "جـِرّه" التي مثلت في زمنها ذروة الانتعاش الاقتصادي في شرق الجزيرة العربية قبل الإسلام قبل أن ينتهي دورها في حملة عسكرية.
المكتشفات
بعيداً عن الاختلاف العلميّ في التسمية؛ كشفت الهيئة حقائق أثرية ذات وزن تاريخيّ يخص منطقة الخليج العربيّ، فبعد قرابة 6 أشهر من الحفر والتنقيب أفضت الجهود إلى التعرف على موقعين أحدهما يعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد وهو موقع "جرهاء" أو "جـِرّه"، والآخر يعود إلى 10 قرون لاحقة، وتحديداً في القرن الأول الهجري.
وأوضحت الهيئة أنها سخرت جهود 40 مختصاً وخبيراً للعمل في الموقعين بالإضافة إلى ما يقارب 120 عاملاً، وكانت البداية في ديسمبر 2010 حيث تم إجراء المسوحات وإعداد الخرائط وإسقاط الشبكيات على الموقعين، ثم بدأت التنقيبات الفعلية مطلع يناير الماضي وستستمر حتى نهاية شهر مايو الحالي، لتتلوها أعمال ترميم وتوثيق ودراسة نتائج.
مملكة بائدة
يعرف سكان الجبيل حي "الدفي" بأنه أحد الأحياء الراقية في المدينة الصناعية في الوقت الراهن، ولكنه كان كذلك في عهد مملكة جرهاء (أو جرّه)، ومنذ عام 1976عُثر على آثار في الموقع الواقع على تلال الدفي داخل حرم الكلية الصناعية بالقرب من مبنى الهيئة الملكية للجبيل، وقد قامت وكالة الآثار عام 1408بإجراء حفرية استطلاعية لمعرفة العمق التاريخي لهذا الموقع ونشرت نتائجها بأطلال حولية الآثـار السعودية عام 1410، واتضح خلالها أن الموقع يمثل مرفأً أو ميناءً لأحد المدن الجرهائيـة ألا وهـي ثاج التي تعد من أبرز المدن القريـبة آنذاك، حيث تبعد 90 كم غرب مدينة الجبيل، ويتزايـد الآن احتمال كونها هي مدينة الجرهاء التي نسبت إليها مملكة الجرهائيين.
وفي أعمال الحفر والتنقيب تم إسقاط كامل الموقع في شبكية مربعات 10×10م، والبدء بوسط الموقع بفتح ما يزيد على 60 مربعاً، وأسفرت الأعمال عن كشف مبانٍ سكنية مترابطة تتميز بأسلوب معماري فريد وتقنية عالية في تشذيب حجارة البناء واستخدام المونة شديدة الصلابة من الجير، كما تم الكشف عن طريق واسع وسط هذه المباني يمتد من شرق إلى الغرب، وتتوسط غالبية المباني أحواضاً دائرية الشكل بقطر 1,5م مبنية بالحجارة المشذبة بأرضية ترابية ربما تكون أعدت للتخزين. ويحيط بالموقع سور مبني بالحجارة الكبيرة تم كشف جزء منه بالناحية الشمالية للموقع، كما تم العثور على العديد من اللقى الأثرية خلال أعمال التنقيبات كالأواني الفخارية والمباخر والدمى الطينية، وعظام الأسماك والكائنات البحرية التي تم أيضاً جمعها ودراستها. وقد استطاع الباحثون من خلال دراسة طبقات الموقع تحديد ثلاث مراحل استيطانية واضـحة المعالم.
عصر إسلامي
في الجبيل منطقة يعرفها السكان حالياً باسم "مردوم" نسبة لردم الساحل، وهي تقع مقابل البحر مباشرة، وتقع التلال الأثرية قرب مدينة الجبيل البلد (23 كم) شمال، وغرب المنطقة الصناعية بالجبيل مقابل جزيرة القرمة على الساحل مباشرة، وتتراوح ارتفاعات التلال الأثرية بين 7 – 12.5 متراً عن سطح البحر مما يتيح لسكان هذه المستوطنة الإشراف على مدخل خليج مردومة، وتبلغ مساحة الموقع المسوّر حوالي 638848 متراً مربعاً.
وحسب دراسات الهيئة فإن فترة سكنى الموقع تعود إلى القرن الأول الهجري حتى القرن الخامس الهجري أي قبل نهاية الدولة العباسية، وقد بدأت أعمال المسح والتنقيبات الأثرية في الموقع ديسمبر الماضي أيضاً، وتم تقسيم التلال الأثرية التي تشكل شريطاً من المرتفعات مقابل للساحل مباشرة إلى 7 مناطق عمل تبعد عن بعضها البعض مسافات تتراوح مابين 50- 200متر.
وبدأ العمل بالمنطقة ( أ ) وهي من أكبر التلال الأثرية، وتم الكشف عن مبنى كبير عبارة عن حصن أو مأوى لحامية عسكرية تبلغ أطواله 35×41 متر جدرانه سميكة يبلغ عرضها 75 – 80 سم، ويحتوي على غرفتين بالزاوية الشمالية الغربية، أما مدخله فيوجد بالناحية الجنوبية وهو مدخل منكسر روعي فيه النواحي الأمنية ببناء جدار حاجز مقابل المدخل، وتم رفع كميات كبيرة من الحجارة المنهارة على جانبي الجدران مما يدل على حصانة المبنى.
كما تم الكشف عن 7 مجموعات معمارية أخرى متباعدة تشكل كل منها مجموعة أبنية متجاورة ومتلاصقة، كل بناء له مدخل مستقل ويحوي فناءً وغرفة أو غرفتين، وتنتشـر في الأفنـية وقـرب المداخـل الخارجـية أفران ومواقد دائريـة الشكل مبنية بالحجارة الصغيرة بقـطر يبلغ 70 سم مبطنة أحياناً بجرار فخارية.
تتشابه المباني في بعض الخصائص التقنية والمعمارية، البناء من مادة الحجر البحري (الفروش) واستخدم الطين في ربط الحجارة ببعضها، كما استخدم الجير المحروق في تعبئة الفراغات كحشوة بين الحجارة على جانبي الجدار.
وتستنتج الهيئة أن سكان هذه المستوطنة اعتمدوا بدرجة أساسية على العمل في البحر بمختلف الأنشطة، حيث تم الكشف عن أدوات صغيرة لصيد الأسماك، وأدوات صنع الشباك، ومفالق المحار (الأصداف) وكمية كبيرة من المسامير التي تستخدم في صناعة وصيانة السفن، وكميات كبيرة من عظام الأسماك والحبار وغيره، والمؤكد أن حرفتي التجارة والصناعة من الحرف التي مارسها سكان هذه البلدة لوجود بعض المعادن الخام التي تم العثور عليها بالموقع.
ميناء مملكة جره (300 ق.م)
• تمّ تسجيله كموقع أثري في وكالة الآثار والمتاحف عام 1976 وحمل الرقم 163/208.
• يقع داخل حرم الكلية الصناعية بالجـبيل، ويبـعد عن مدينة الجبـيل البلـد حوالي 14 كم، وعلى ارتـفاع من 5 – 6 أمتار عن سطح البحر.
• قامت وكالة الآثار عام 1408بإجراء حفرية استطلاعية لمعرفة العمق التاريخي للموقع واتضح وقتها أن الموقع يمثل مرفأً أو ميناء لمدينة "ثاج" الجرهائية، التي تبعد 90 كم غرب الجبيل.
• يضم الموقع مباني سكنية مترابطة ذات أسلوب معماري فريد وتقنـية عاليـة في تشذيـب حجارة البناء واستخدام المونة شديدة الصلابة من الجير.
• تم الكشف عن طريق واسع وسط المباني يمتد من الشرق إلى الغرب، وتتوسط غالبية المباني أحواض دائرية الشكل بقطر 1,5م مبنية بالحجارة المشذبة.
• يحيط بالموقع سور من الحجارة الكبيرة تم كشف جزء منه شمالاً، كما تم العثور على العديد من اللقى الأثرية كالأواني الفخارية والمباخر والدمى الطينية، وعظام الأسماك والكائنات البحرية.
• حددت دراسة طبقات الموقع ثلاث مراحل استيطانية واضحة المعالم، ويُعتقد أن الاستيطان يعود للمراحل المبكرة من عمر مملكة الجرهاء (جرّه).
المردومة (القرن الهجري الأول)
• تم تسجيله كموقع أثري برقم 183/208 عام 1976 في المنطقة الشرقية، ثم جرت عليه أعمال التسوير.
• يبعد الموقع عن الجبيل البلد بـ 23كم، ويقابل جزيرة القرمة على الساحل مباشرة، وتتراوح ارتفاعات التلال الأثرية فيه بين 7 -12.5 متراً عن سطح البحر.
• نتائج التنقيبات تشير إلى أن فترة السكنى في الموقع تقع بين القرنين الهجريين الأول والخامس.
• الموقع هو مأوى لحامية عسكرية تبلغ أطواله 35×41 متراً، وجدرانه سميكة يبلغ عرضها 75 – 80 سم، ويحتوي على غرفتين بالزاوية الشمالية الغربية.
• يضم الموقع 7 مجموعات معمارية أخرى متباعدة تشكل كل منها مجموعة أبنية متجاورة ومتلاصقة، كل بناء له مدخل مستقل ويحوي فناء وغرفة أو غرفتين.
• يضم الموقع لقى أثرية تتميز بجودة الصناعة مما يدل على علاقات تجارية بين هذه البلدة والمدن المجاورة على الخليج العربي.
• ويعد الهاون (المهباش) المصنوع من النحاس مع طقم الأيدي النحاسية من أهم المعثورات.
• المباني تشكل مجتمعة بلدة صغيرة نشأت في المكان خلال العصر الأموي، واستمرت إلى نهايات العصر العباسي، وهي تشبه البلدة التي تم الكشف عنها قبل شهور في موقع الراكة بالدمام.