لست اقتصادية ولا أدعي انتمائي لهذا الاختصاص، ولكن لدي على الأقل القدرة على قراءة الواقع، وأمتلك بعض مهارات التفكير والتحليل والمقارنة مما يجعلني أبحث عن الحلول لقضايا قد تكون خارج نطاق تخصصي، ولأنها تؤثر على مستقبل شباب الوطن تدفعني كي أتدخل وأشارك، نعم يجب أن نترك الخبز لخبازه، ولكن ما الحل إن كنا نشعر بأن الأفران لا تعمل.. بل إن الكثير منها معطل؛ خارج الخدمة، نقرأ ونسمع للمختصين ونحاول قدر استطاعتنا أن نفهم النظريات والمفردات التي تطرح من قبلهم أو على الأقل نبحث عن نتائج لهذه المحاولات على أرض الواقع فلا نجد أن شيئا تغير! سوق العمل يشتكي من عدم توافق منتج مؤسسات التعليم العالي مع متطلبات العمل، والشباب يشتكي من عدم تواجد فرص العمل! ما الحل إذا؟ الذي أعرفه أننا حين نفتح مجال الحوار والنقاش للجميع سوف تظهر بعض الأفكار من بعض الأفراد الذين هم خارج نطاق التخصص غريبة أو غير علمية، ولكن بنفس الوقت تستدعي التوقف عندها ودراستها، فمن يدري قد يأتينا الحل من الخارج ونحن غارقون في الداخل، وأكرر هنا أن ما أعنيه هو التخصص.

والآن لنلق نظرة على الواقع.. يوجد لدينا سوق عمل وبنفس الوقت يوجد عاطلون عن العمل، لنفترض أن ما ينقص الشباب هو الخبرة فقط، ولو أن الكثير من الدراسات الأكاديمية توصلت إلى أسباب كثيرة إضافية، ولكن لنركز هنا على الخبرة، ولنفكر كيف يمكن أن نملأ هذا الفراغ في السير الذاتية للباحثين عن العمل، أي أن لدينا من جهة؛ سوق عمل بعضه لا يقدر على الاستيعاب، والبعض الآخر لا يريد استيعاب الكوادر الباحثة عن العمل، لأسباب لوجستية متعلقة بلوائح وقوانين الشركات أو المؤسسات، أو مادية متعلقة بالربح والخسارة، الناتج واحد، شباب عاطل عن العمل، شباب يزداد كل يوم إحباطا، قد يتحول إلى تربة خصبة لمن يريد الشر لهذا الوطن، هذا بالإضافة إلى أن الدولة تخسر كل يوم لا ينتج فيه هؤلاء الشباب، ما صرفته على بنائهم وتأهيلهم، وحسب ميزانيات التعليم العالي والتعليم العام، ليست بالأمر الهين!

ومن هذه الأرضية أستطيع أن أتشجع وأطرح أفكاري، قد يجدها البعض، خارج الصندق ولكنها في رأيي ليست خارج الحدود، أي إمكانية تطبيقها ليست بمستحيلة: لو نظرنا إلى ميزانية الدولة لهذا العام، بسم الله تبارك الرحمن، نجد أن المادة بإذن الله لن تكون عائقا، ولو تابعنا تصريحات المسؤولين نجد أن النية والإرادة في إيجاد الحلول واضحة ومعلنة، والآن لو نظرنا إلى الخدمات والبضائع المستوردة لوجدنا أننا سوق مستهلك من الدرجة الأولى، لو أننا درسنا المؤسسات الخاصة التي تقدم الخدمات بجميع أنواعها خاصة التدريبية والتعليمية، والتي لها مراكز أو شراكات خارج حدود الوطن، استطعنا أن نقيم اتفاقيات تبادل وظائف معها، مثلا في مجال التعليم، نرسل لهم خريجين من عندنا للتدرب عندهم، ندفع نحن الرواتب، مقابل خبرات عندهم تأتي وتدرب المعلمين الجدد ممن هم على رأس العمل، وهنا لا أعني الدول العربية فقط بل يكون المجال مفتوحا على مؤسسات التعليم حول العالم، أي أن مساحة من سيقبل العرض كبيرة، ولن يحدنا سوى قدرات من سنرسلهم للقيام بهذه الاتفاقيات.

والآن لو أجرينا دراسة سريعة على سوق الخدمات من سياحية إلى ترفيهية إلى مهنية مثل النجارة والسباكة والتصليح والتركيب، مجرد أمثلة بسيطة على مجال واسع ومتجدد، سنجد نفس الإمكانيات فيما لو اتجهنا إلى السوق العالمية، نستورد خبرات ونرسل متدربين، ولا يستوقفني أحد بأن الشباب لا يرغب إلا في وظائف مكتبية، بمعنى أن الوظائف المهنية مرفوضة بالنسبة لهم، لأننا لم نجرب فتح مثل هذه الفرص أمامهم، لنجرب وأنا متأكدة أننا سوف نحصل على طلبات ستفوق كل تصور، لأننا لن نتوقف هنا بل سنساعد كل من يعود بعد الخبرة العملية الناجحة حسب التقارير التي سيتحصل عليها، يمكن أن يتحصل على قرض يساعده على تأسيس عمله، وهذا يمنح مع وصوله أرض الوطن، بمعنى ألا ينتظر سنوات قبل أن يراه، هذا إن رغب، ولكن يبقى أنه أصبح يمتلك خبرة تفتح له أبواب سوق العمل المحلي.

أما بالنسبة للبضائع المستوردة؛ فلماذا لا تتم دراسة ما يمكن تصنيعه هنا، والمجال مفتوح وكبير؟ ليس الهدف أن نخلق فرص عمل فقط، بل تحويل مجتمعنا من مستهلك إلى منتج وبالتالي إلى مصدر، نختار منها من نستطيع أن نجري معه اتفاقيات تبادل، عمال يتدربون في مصانعهم مقابل بناء مصانع لهم هنا بنسبة شراكة في صالحهم لعدد من السنوات؛ وتدريجيا تتحول إلى مصانع وطنية على المدى الطويل.. نعم ولكن في النهاية تصبح ملك الدولة تشغل بأيد وطنية تدربت في الخارج، أين الحافز لهؤلاء الشباب؟ عدا عن التدريب والخبرة في دول عربية وغربية، وعند العودة وبعد قضاء مدة يتفق عليها بين الدولة والعامل، يحسب له نسبة من أسهم المصنع، أي أنه طالما يعمل في المصنع فله مصلحة في الربح المبني على جودة المنتج، وفي حال خرج من العمل أو تقاعد توجب عليه بيع أسهمه للمصنع، طبعا حسب سعر السوق، المهم هنا أن تبقى الأسهم الحافز لتوظيف وتشغيل عمال وموظفين جدد، إنها مجرد أفكار خارجة من أكاديمية في مجال التربية، ولكنها ليست مستحيلة، لنجرب ماذا سنخسر؟!