تمتلك شعوب العالم جميعها مشروعاً تنموياً، وهي تسير على هدى تلك المشاريع، وربما تخفق حينا، لكنها تستمر في المحاولة حتى تنجح نهاية المطاف في تحقيق جانب أو جوانب من ذلك المشروع، الذي يبقى مشروعاً متجدداً على الدوام، وعظمة كل شعب تقاس بمدى ومدة تمكنه من تحقيق مشروعه التنموي. بل إن من شعوب العالم التي تبوأت مراكز الصدارة على عرش الحضارات هي تلك التي امتلكت مثل هذه المشروعات، وثابرت من أجل تحقيقها في إطار زمني محدد. فاليابان مثلا ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، هي بلدٌ يبني، ومعروف من حضارتها وماضيها، وحاضرها، أنهم شعب مصمم على البقاء والتطور، مُدن استغرق بناؤها أكثر من سبعة عقود، جُرفت خلال ساعات، وبعد أن كانت شوارعها، وبنيانها تبث الأمل والحياة في الناس، أصبحت تلك المعالم بحاجة لحياة، ولكننا أمام شعب يبني، ولديه من الإرادة والتصميم، ما يملأ الصفحات وصفاً واحتراماً، وفي مدة زمنية محسوبة بالأيام، يُفاجئنا هذا الشعب بما لديه من مخزون، وانضباطية، وحب لوطنهم، جعلت اليابان صاحبة ثاني أقوى اقتصاد بعد الولايات المتحدة.
إنني أتساءل: في مجتمعنا المشاريع التنموية تزداد يوماً بعد يوم، والميزانيات متوافرة، ولكن في ذات الحال ما زالت متخمة بالأزمات بدءاً من مشاريع التعليم والصحة والصرف الصحي والنقل وما فيها من حكاية الازدحام المروري في وجود تحويلات لإقامة نفق أو جسر يحتاج إلى سنوات حتى ينتهي بنا إلى القصص المتنوعة في تأخر وإلغاء الرحلات، ولا ننسى مشاريع سكة الحديد ناهيك عن مشاكل البطالة وارتفاع العقار والسكن وغلاء الأراضي والكثير.. الكثير من القضايا.
سأحاول في هذه التناولة الاقتصار على طرح بعض العناصر الرئيسة التي تُعوق تشكل وعي اجتماعي جمعي يؤمن بأهمية التفكير بسرعة إنجاز المشاريع التنموية ومنها:
1- عقدة التفوق والعظمة، والمبالغة في مدح الذات وهي عقدة نكاد نشترك فيها جميعاً، وبدرجات متفاوتة، ولا يكاد يخلو نص من نصوص المسؤولين التنفيذيين في وسائل الإعلام من ثقافة التباهي والتفاخر فنحن أول من بنى ونحن أفضل من اكتشف ونحن أحسن من صنع مستمرين ومتفننين في عشق صيغ التفضيل، هذا النمط من التفكير الفوقي في عدم الاعتراف بأخطائنا كوننا الأكمل هو الذي جعلنا نتقاعس عن التطوير والتغيير في مشاريعنا التنموية.
2- الشكوى الدائمة والتذمر، مع افتقاد روح المبادرة، على النقيض من مشاعر الزهو المتعاظم، والفخر المبالغ فيه بالمنجز، إذ يشكو كثير من أبناء مجتمعنا من كل ما له صلة بالحاضر أو بالمستقبل، وينتقدون كل شيء، حتى لا يكاد يوجد شيء يعجبهم، وينسى كثير منا أنه جزء من هذا الواقع بسلبياته وإيجابياته، وأنه لن يتغير إلا بتوفر الرغبة والإرادة في التغيير الإيجابي، ولو انشغل اليابانيون بالتشكي واجترار الغبن، لما حققوا شيئاً من هذا التقدم الكبير.
3- انتشار الأنانية والفردية وغياب الرغبة، ومعها القدرة على العمل الجماعي، فالجميع يرغب في التفرد لتحقيق الذات، واختصار المسافات للوصول والترقي الوظيفي الاجتماعي، وكثير منا يعتقد أن أقصر السبل لتحقيق ذلك يتأتى عن طريق العمل بصورة فردية، حتى تنسب جميع المآثر والإنجازات لهم دون غيرهم، وهم يخشون إن عملوا في إطار فرق عمل أن تنسب تلك الإنجازات لغيرهم، ومن هنا ومن هذه الأجواء ولدت البيروقراطية في العمل ولذا ما أكثر اللجان التي فشلت في تحقيق ما أوكل إليها، وقد تشكل في المخيلة الجمعية ما يشبه الإجماع، على أنه إذا أريد لموضوع أن يفشل فشكل له لجنة أو فريق عمل جماعي.
إن العالم اليوم يهرول سريعا في التنمية حتى إن الأمم المتحدة لديها تقارير خاصة فقط بمعدل السرعة في التنمية.. نعم قالتها صاحبة الصوت الجبلي فيروز في 1966 "الآن.. الآن وليس غداً".