في هذا الشارع المكتظ في العاصمة الألمانية برلين، ورغم كثرة الناس التي تعبر الطريق أمامك إلا أن ثمة أمرا ما يلفت النظر فورا، وهو قلة أعداد الشباب من الجنسين مقارنة بمن تبدو ملامحهم فوق الأربعين سنة، مع كثافة واضحة في عدد كبار السن.. هذه واحدة من المشكلات التي تواجه مختلف دول الاتحاد الأوروبي، إذ لا يتجاوز الشباب من السكان وحسب آخر الإحصائيات خمس سكان الاتحاد، وتتراوح نسبتهم داخل تلك الدول الأوروبية بين 18% إلى 26%، وهي نسب ضئيلة باتت تمثل أزمة حقيقية في مختلف الدراسات المستقبلية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في أوروبا. ذلك أن التحدي الأكبر في صناعة المستقبل تعتمد بشكل كبير على المقدرات البشرية الشابة التي تتيح لحركة الأجيال أن تدير انتقال الدولة من مرحلة إلى مرحلة. بينما تفتقر أوروبا إلى الشباب، وتوسم منذ سنوات بأنها القارة العجوز، يكون الواقع لدينا على العكس تماما، إننا الأمة الشابة، والدولة الأكثر شبابا.

دع عنك شارع التحلية ومناظر بعض الشباب الذين تتدلى رؤوسهم ذات الشعر الكثيف والمنفر من نوافذ السيارات، ويتفننون في ملاحقة السيارات التي تقل نساء في داخلها، هذه الشريحة إنما تعد نتيجة وليست سببا. اتجه إلى منتدى التنافسية مثلا، لتجد أنك أمام نموذج جديد وواعد وحقيقي للشباب السعودي من الذكور والإناث، الحماس المفرط الذي يعلو وجوههم، والاستعداد الذي يبدونه للعمل والعطاء والتطوع يشير إلى أن كل التصورات الذهنية التي ظلت تحيط بفهمنا للشباب ولواقعهم ولتطورهم ظلت حبيسة النظرة التقليدية التي لا ترى في الشباب سوى قضية سلوكية، وأفراد صالحين للتوجيه والوعظ والإرشاد وحثهم على التأدب والاحترام، وغيرها من السلوكيات التي انشغلنا ببنائها عن بناء القيمة الحقيقية للشاب لكي يكون فاعلا ومؤثرا ومنتجا.

سنوات طويلة تحول الواقع فيها إلى نمطية مزعجة، وتحول الشباب معها إلى ملف وأزمة بحاجة إلى علاج بينما في كل دول العالم يتم التعامل مع الشباب على أنهم طاقة بحاجة لاستثمار. تترسخ أهمية هذه الطاقة في واقعنا السعودي حين ندرك أن أكثر من 50% من السكان هم من فئة الشباب، مما يعني تغيرا في الاستحقاقات المناطة بالدولة، وتغيرا في التصورات المستقبلية التي يجب العمل والإعداد لها لتكون واقعها المستقبلي، فالشباب طاقة في التحولات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. إنما من يدير هذه المعادلة، هل هم الشباب أم الدولة؟

في الواقع لا أحد يستطيع إدارتها منفردا، بل إن من حسن الحظ لدى الدولة أنها تعيش الآن وبفعل اتساع شريحة الشباب في المجتمع تقلصا في دوائر الممانعة والتقليدية لصالح دوائر المطالبة والحث على التطوير، ومهما كانت لغة الشباب في ظاهرها عادية وغير عميقة إلا أن المحور الذي يجب التركيز عليه هو حتمية أن التطوير هو المطلب الأعلى والقيمة التي تزداد جذوة في نفوس هذا الجيل سواء من الذكور أو الإناث.

لقد انشغلت مؤسسات الدولة المعنية بالشباب بالتعامل معهم تربويا وسلوكيا، ومن خلال منظور يفتقد لكثير من الأفكار المدنية المنتجة لصالح الأفكار الأخلاقية المؤدبة بالمعنى البسيط للأخلاق وللسلوك، دون الانتباه إلى أن ثمة عوامل جديدة هي التي تبني الوعي وتسهم في تشكيله أكثر من المؤسسات الرسمية. يجب على مؤسساتنا أن تواجه السؤال التالي: إلى أي درجة يجد الشاب السعودي نفسه في الشارع وفي المدرسة وفي الوزارة وفي التعليم وفي الحقوق والخدمات والاقتصاد؛ وما حجم الرضا الذي لديه عن كل ذلك الواقع؟

لا يجب علينا أن نصاب بالهلع أمام الإجابات التي سنحصل عليها، بل لا بد من الإسراع في الاستيعاب أولا، والاستفادة من أن الجمهور الشاب هو الأكثر دعما لعملية التطوير حتى وإن لم يجد التعبير عنها إلا أنه سيجيد التعايش معها والاستفادة منها.