كشفت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في بيان صدر عنها مؤخراً عن اختلاس وسرقة لكميات كبيرة من اللقاحات والأدوية من مستودعات مديرية الشؤون الصحية في محافظة الطائف.
وعن كيفية السرقة أوضح البيان: "قيام أمين مستودع الأدوية في المديرية بتزوير طلبات صرف الأدوية المخصصة للمراكز والمستشفيات، بإضافة كميات كبيرة إليها غير مطلوبة وتسويقها لحسابه في منشآت القطاع الخاص عن طريق مجموعة من المتعاونين".
وما يثير الاهتمام في هذه القضية بالتحديد، أن اكتشاف عملية السرقة تمت في البداية عن طريق شكوى إحدى الشركات الموردة، والمتضمنة وجود لقاح لم يستورد من قبلها، يستخدم في العديد من المستشفيات والمستوصفات الأهلية! مما يعني أن اكتشاف السرقة لم يكن من قبل وزارة الصحة، والتي من المفترض أن تكون هي المسؤولة الأولى عن ذلك! كما أن طريقة السرقة والاختلاس تمت بطريقة سهلة جداً وعن طريق التلاعب في مستندات صرف الأدوية دون أن تكتشف الوزارة ذلك، وهذا يعني أن هناك مشكلة في الرقابة على مستودعات التموين الطبي التابعة للوزارة، ليست في محافظة الطائف فحسب، بل في جميع مناطق المملكة.
ومشكلة سرقة الأدوية واللقاحات لا تنحصر فقط في الأثر المالي، وإنما أيضاً في الأثر الصحي المترتب على هذه السرقة، حيث اتضح من خلال بيان الهيئة أن الأدوية واللقاحات يتم نقلها بصورة سيئة مما يؤثر على فعاليتها العلاجية، بالإضافة إلى أن هذه العملية تؤدي إلى نقص الأدوية العلاجية وعدم توافرها في الصيدليات الحكومية، ناهيك عن تأثيرها السلبي على العملية الإدارية بأكملها في إدارات وأقسام التموين الطبي، وذلك من حيث تقدير الاحتياجات الفعلية من الأدوية واللقاحات، وتخزينها ونقلها وصرفها، والتأكد من جودتها العلاجية.
كما أن هذه القضية تفتح لنا بابا واسعاً للنقاش، وخاصةً قضية بيع الأدوية في المستشفيات الأهلية، والتي تثير تساؤلاً حول مصدر الأدوية في القطاع الخاص وكيفية الرقابة عليها، من قبل إدارات الرخص الطبية، بالإضافة إلى مسألة احتكار بعض أنواع الأدوية من قبل بعض الشركات الموردة.
وبناءً على ما سبق، يمكن أخذ قضية سرقة الأدوية كحالة دراسية لقضايا الفساد وكيفية معالجتها، للحد من آثارها السلبية، سواء كانت صحية أو مالية، وخاصةً إذا علمنا أن الأدوية واللقاحات والأمصال من الأمور الحساسة التي تتعلق بصحة الإنسان، فتخيل معي أيها القارئ الكريم، كيف يكون شعورك عندما تذهب للصيدلية لأخذ العلاج، وتفاجأ بنقص الدواء وعدم وجوده في الأسواق وخاصةً إذا كنت في حاجة ماسة إليه، أو تخيل أن يقوم الطبيب المعالج بعدم إعطاء لقاح التطعيم لطفلك، وإخفائه بطريقة ملتوية، لتعتقد أنه تم اتخاذ اللازم، أو أنك تتناول دواءً عديم الفاعلية وعالي السمية بسبب سوء النقل والتخزين.
لن أتطرق في هذه المقالة إلى العمليات التشغيلية والإجرائية المتعلقة بإدارة المستودعات الطبية، ولكن سوف أسلط الضوء على الثغرات الرقابية الموجودة في هذه المستودعات، وذلك من خلال ما تضمنه تصريح هيئة مكافحة الفساد.
فقد تضمن البيان أن السرقة تمت من خلال التزوير في طلبات الصرف وكما هو معلوم فإن النماذج المستودعية لطلبات الصرف، تحتوي على بيان بكميات الأدوية المطلوبة، وبخانة للجهة الطالبة، كما يتضمن خانة لتوقيع المستلم وخانة لتوقيع أمين المستودع، والسؤال المطروح هنا: كيف لم تستطع الوزارة اكتشاف هذا التلاعب في النماذج الرسمية؟ وكيف لم تلاحظ الوزارة حجم الكميات المطلوبة من المستشفيات والمراكز الصحية؟ أليس هناك تقدير للاحتياجات؟ والطلب الزائد عن المطلوب ألا يثير الشكوك والاستغراب؟ مما يعني أن هناك ثغرة رقابية تتمثل في عدم وجود مراجعة وجرد دوري مستمر للأصناف الدوائية المخزنة في المستودعات.
ويبدو أيضاً أنه لا توجد مراجعة دورية للمصاريف الاستهلاكية للأدوية، والمراجعة هنا لا تقتصر على مستودعات التموين الطبي في المديرية فحسب، وإنما أيضاً في مستودعات المستشفيات، والأدوية في الصيدليات إلى أن يتم صرف الأدوية إلى المريض مباشرةً في أقسام وأجنحة المستشفى.
والجدير بالذكر أن المادة (27) من قواعد وإجراءات المستودعات الحكومية نصت على :"أن يتم جرد أصناف المخزون في المستودعات المركزية والفرعية بصفة مستمرة على مدار السنة بواسطة لجان الجرد".
وبالطبع فإن لتطبيق هذه المادة آليات وإجراءات معينة، من أبسطها اختيار أصناف دوائية معينة وجردها بشكل مفاجئ ومستمر، ويراعى في ذلك أخذ عينة من الأصناف المستلمة من قبل المستشفيات والمراكز ومراجعة الدورة المستندية ككل، ومن خلال هذه المراجعة يتم تحديد أسباب الزيادة والنقص في كمية الأصناف، كما أن تحديد مستويات التخزين والكميات الاقتصادية والتي أكدت عليها المادة (24) من القواعد، تساعد في تحديد ما إذا كان هناك إسراف في التخزين.
كما توجد أيضاً ثغرة رقابية أخرى تتعلق بالحراسات الأمنية، فكيف تم إخراج هذه الكميات من الأدوية من المستودعات دون وجود تصريح نظامي لخروجها؟ مما يعني الحاجة إلى مراجعة النظام الأمني ككل للمستودعات، وتحديد نقاط الدخول والخروج للأشخاص المصرّح لهم، وتفتيش السيارات، فضلاً عن ضرورة وجود كاميرات المراقبة.
كما أن هناك مسائل أخرى تتعلق بنظم المعلومات الآلية للمخزون، وكذلك طرق وأساليب التخزين من حيث الترتيب والترميز وغيرها، والدورة المستندية لها.
وخلاصة القول: إن قضية سرقة الأدوية والتي كشفتها هيئة مكافحة الفساد تعد حالة نموذجية بسيطة على ضعف أنظمة الرقابة الداخلية، والتي تحدثت عنها في عدة مقالات في صحيفة الوطن، والتي هي في نظري المشكلة الرئيسية في معظم قضايا الفساد الحاصلة على أرض الواقع.
إن كشف قضايا الفساد وطرحها في الوسائل الإعلامية، أمر ضروري ومطلوب ولكن الأهم من ذلك هو كيف نعالج المشكلة؟ وكيف نقيم أنظمة الرقابة الداخلية؟ وليس في وزارة الصحة فقط، بل في جميع الوزارات والمصالح الحكومية.