كنا نعبر الطريق في مدينة بريطانية أقيم بها حالياً عندما قالت لي فتاة مسلمة "انظري كيف وقفت كل السيارات حتى نعبر، وكيف أحياناً توقف سيارة شرطة المركبات خلفها وتشير لنا شرطية أو شرطي فيها أن نعبر، ولا يقف الأمر عند ذلك، بل انظري كيف يتم تقدير المعوقين وكيف يتم الحرص على راحتهم!"، فقلت لها: سبحان الله، وأنت تتحدثين جاء في خاطري مباشرة قول النبي صلى الله عليه وسلم: (يسلّم الراكب على الماشي والماشي على القاعد)، ولا أعرف إن كان أحد انتبه لما يشير إليه هذا الحديث العظيم من تقديم الأضعف على الأقوى, إن حديثه صلى الله عليه وسلم عمره 1400عام، وقوانينهم لا يصل عمرها إلى أكثر من 100 عام، بل إن المتفحص للشريعة يجد فيها كل المبادئ الإنسانية العظمى التي جعلت الإنسان أولاً وقبل أي شيء، حتى أحكام الشرع المقطوع بحكمها تعطل في الضرورة من أجل الحفاظ على حياة الإنسان أو كرامته، فهو يشرب الخمر حتى لا يموت، وهو ينطق بكلمة الكفر حتى لا يقتل.

ليس ذنب الإسلام أننا أهملناه كمورد عذب وعادل للقوانين التي تسعد البشر، لقد ملكنا نحن الثروة وخبّأناها في خزانة ضخمة وجلسنا نتقاتل حول مواضيع هامشية أو نتباحث حول مسح الخفين، في الوقت الذي صاغوا هم فيه قوانين من مبدأ الإنسان أولاً؛ فوافقوا الإسلام فيما يخص حماية الإنسان وتقديم حياته وسعادته وكرامته على كل شيء.

أنا آسفة كثيراً على إهدار كليات الشريعة لوقت طلابها في مسائل جزئية مخافة ما قد يجره الاجتهاد، على الرغم من أن الإسلام سبق العالم كله في منح المجتهد الأمن الفكري بأن بشره بأنه مأجور سواء أخطأ أو أصاب حتى يمتلك الجرأة على تقديم رأيه، ومن ثم إذا فاز بالإجماع تمكن بسهولة من تحويل رأيه إلى حكم/ قانون ملزم يتم تنفيذه؛ لذا أتساءل بصدق: أين هؤلاء المجتهدون الشجعان ليخرجوا لنا ما يمنحنا هذا التحضر الإنساني الذي نشاهده في بلاد لا تعرف الإسلام لكنها تطبقه؟!

فلا جدوى مع اعتبارنا ليقظة الضمير والمراقبة الداخلية في وسط هذا العالم الذي يموج بالاضطراب وفوات الأمن وتهافت أخلاق البشر، بل لابد من أن نقدم الرقابة الخارجية ومن ثم نعمل على إيقاظ ضمائر الناس, إن ذلك يكفل للجميع حياة سعيدة آمنة أصبحنا ننشدها في أوطاننا ونتحسر على وجودها في عالم آخر!