المكان ركن أساس في النص الشعري؛ ذلك أن المكانَ مرتبط بالذات، والشعر تعبير عنها, فلا يتوقف حضور المكان حسيا, ولا ينفك يظهر شعريا، حتى إنه من غير الممكن فهم النص وتحليله دون الرجوع إلى المكان بوصفه أحدَ عناصر العلاقات النصية، وهي: الزمن، والشخصية، والرؤية؛ حيث لا يمكن إدراك الزمن أو الشخصية أو الرؤية إلا من خلال المكان, وذلك وفق علاقة جدلية معلومة بين هذه العناصر.
وليست تخفى العلاقة بين الشعر والمسكن, وهو جزء مهم من المكان, حتى إنهم يسمون به البيت من الشعر, وبمثل هذا تتضح العلاقة بين البيت بوصفه مكاناً، والشعر عند العرب, وهي علاقة بين الإنسان وكونه الأول، كما يقرر باشلار في كتابه: شاعرية المكان"، حين يقول: "البيت هو ركننا في العالم, إنه كما قيل مرارا, كوننا الأول, كون حقيقي بكل ما للكلمة من معنى".
ويوازي هذا كون علاقة المكان بالشعر عند العرب نابعة من وجدان العربي الذي جعل الشعر موازيا للمكان/ البيت, ويضاف إليه أن العربي قد جعل من الشعر معْلما يعوض فقر المعالم الحقيقية في البيئة الصحراوية التي صدر عنها جل الشعر العربي الذي وصل إلينا, فاللغة عنده معلم أكثر حضورا من المعالم المحسوسة، وهو الواضح في لغة الشعر البدوي.
والناظر في شعر بعض البيئات الأدبية السعودية –خلال القرن الرابع عشر الهجري، والعقود الأولى من القرن الخامس عشر – يجد أن الحنين إلى الأماكن يستغرق قدراً كبيراً من معاني شعر الحنين عند شعرائها, وتلك بدهية تفسر بتعلق هؤلاء بأماكنهم التي تمتاز بخصائص طبعية وبشرية تختلف عن الجهات التي يسافرون إليها مختارين أو مضطرين.
ويأتي شعراء جنوبي المملكة في مقدمة الشعراء الذين أكثروا من الحنين إلى أماكنهم الأولى، حتى بات هذا الحنين سمة بارزة في نصوصهم، وهو ما لاحظه الدكتور عبدالباسط أحمد علي حمودة، وعلله بقوله: "وفي تصوري أن ذلك راجع إلى طبيعة الجنوب وسماحته، التي فرضت نفسها على الأدباء، فعبروا عن إحساسِهم وشعورهم دون مواربةٍ أو إبهام....ومثل تلك البيئة تدفع إلى الحب والوفاء الذي يخالج نفوسَ الأدباء والشعراء، فيعبرون عنه بسحر البيان"، وهو قول لا تخفى أسبابه، يضاف إليه أن جل شعراء هذه الجهات ينتمون إلى مناطق استقرار دائم عبر التاريخ، وليسوا من أهل الارتحال، أو الباحثين عن الماء والكلأ، لأن أجدادهم كانوا يحترفون الزراعة، التي تسلتزم استمرار الإقامة في الأوطان، مما يجعل تعلقهم بأوطانهم أكثر وضوحاً، ولذا فإنهم يستلذون ذكْرَ الأماكن ووصفَها في حال الابتعاد عنها، مازجين ذلك بآهات الألم, ومشاعر الغربة المكانية.