نعيش هذه الأيام الذكرى الأولى لثورة 25 يناير المصرية، التي جاءت نتيجة طبيعية للاحتقان الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي عاشته مصر خلال العقود الثلاثة الماضية، مما حتم الثورة ضد الطغيان والظلم والتمييز الطبقي بين أبناء المجتمع المصري.
بعد عام كامل من التأزم والمد والجزر، يبدو أن مصر تتجه نحو الاستقرار السياسي والاجتماعي، ولكن يبقى العامل الاقتصادي مخيفاً في ظل صعوبة عمل مؤسسات الدولة في ظروف داخلية وخارجية صعبة بالنسبة لجمهورية مصر العربية.
طوال تاريخها، ظلت مصر منارة للحضارة والثقافة والعلم والحراك السياسي، والمقاومة العربية أيضاً، فالتاريخ والجغرافيا والاجتماع والاقتصاد كلها عوامل مهمة في بقاء مصر دولة قيادية لا يمكن تجاهلها، ولا سيما أنها في كل مرة تنتصر على الظروف والأزمات والنكسات التي تمر بها، مستلهمة قوتها من جبروت النيل الجاري على مر التاريخ دون توقف، إلا أن الأزمة التي أعقبت ثورة 25 يناير لم تكن سهلة أبداً فقد هددت وجود الدولة المصرية برمتها، فوجدت المؤسسة العسكرية-التي تحكم البلاد- نفسها حائرة في طريقة التعامل مع الظرف الراهن، بعد دعوات شعبية كبيرة لتنحي المجلس العسكري عن سدة الحكم المدني، مع الأخذ بعين الاعتبار أن جنرالات مصر يجب أن يأمروا عناصر الجيش بالعودة إلى الثكنات العسكرية ويعودوا هم إلى مكاتبهم في وزارة الدفاع تاركين الحكم للمدنيين، ولا سيما بعد انتخاب مجلس الشعب الذي قد لا يلبي الآن متطلبات جميع فئات الشعب المصري، ولكن حسبه أنه مجلس منتخب وهذا يكفي لأن الانتخابات ليست الديموقراطية بذاتها ولكنها العمود الفقري، إذ لا يمكن تصور أي عملية ديموقراطية دون انتخابات حرة ونزيهة.
في عيد الثورة الأول، أعلن المشير محمد حسين طنطاوي انتهاء قانون الطوارئ لكنه لم يحدد موعداً لتخليه عن منصبه السياسي كرئيس فعلي لجمهورية مصر العربية، رغم الوعود بإجراء الانتخابات الرئاسية في وقتها قبل شهر يونيو القادم. ويعتبر الالتزام بالمواثيق التي قطعها المجلس العسكري على نفسه أمام الشعب ديناً يجب الإيفاء به في وقته دون تأخير أو تسويف، والملاحظ أن جماهيرية المجلس الأعلى للقوات المسلحة انحسرت بعد المظاهرات ضد المجلس والمطالبة بتسليم السلطة لحكومة المدينة، ويبدو أن المصريين يتمنون فعلاً ألاّ يفقدوا ثقتهم في الجيش المصري الذي يمثل رمزاً تاريخياً بالنسبة لهم مفعما بالوطنية في السلم والحرب، على الرغم من أن (المؤسسة) العسكرية هي التي تدير شؤون مصر منذ انقلاب 23 يوليو حتى الآن، استطاع رؤساء مصر-وهم عسكريون سابقون- كسب ولاء الجيش وإن لم يستطع أحد منهم توجيهه ضد الشعب للتنكيل به.
ومصر ليست البلد الوحيد الذي تديره المؤسسة العسكرية، فهناك تركيا، وباكستان، ودول أخرى، وغالباً ما تتخلف البلدان التي تديرها مؤسسات عسكرية عن ركب الديموقراطية؛ نتيجة لطبيعة التكوين فلا ديموقراطية أبداً في الشؤون العسكرية، بل هي تقوم على التراتبية وتنفيذ الأوامر فحسب، وبناء على ذلك لا يمكن أن يتم التعامل مع تلك الشعوب بالمنطق العسكري.
انتهت ثورة 25 يناير فور إعلان عمر سليمان خلع مبارك، واستطاع شباب الثورة الحفاظ على سلمية ثورتهم وتبني الشعارات التي ناضلوا من أجلها، إلا أن الثورة يصنعها العظماء ويرثها من يرثها بعد ذلك، وهو ما لوحظ على الثورة المصرية بالذات، فالكل يدعي وصلاً بليلى، وخاصة السياسيين المنتمين للجناح الإسلامي، حيث حاول بعضهم تهميش دور الشباب (الصانع الحقيقي للثورة) مثلما حاول أن يفعل الدكتور صفوت حجازي خلال لقائه مع أحمد منصور على قناة الجزيرة ذات مرة، وغيره الكثير.
إلا أن من وقف وراء الثورة هم الشعب، وما جاء بعدها هو تبعات لها، غير أن السياسيين-كما جرت العادة على مر التاريخ- يختطفون الثورة فور انتهائها ويجنون ثمارها بعد أن يدعون أنهم صناعها، لكن الثابت أن الثورة المصرية صنعها جيل جديد ينتمي لشعب مصر المتعطش للحرية والعدل والمساواة، بعد سنوات طوال من القمع تضمنت فصولا كوميدية سوداء لصناعة الطاغية، يمكن اعتبارها إعادة إنتاج لفرعون الذي طغى!
وكان ممثلو الأدوار هم أولئك المحيطين بمبارك من كل جهة، تضخمت الدوائر من حوله دائرة بعد أخرى، لتشكل حاجزاً منيعاً أمام نيل الشعب المصري بعضاً من حقوقه الإنسانية، إلى أن سقط الحجر/الرئيس رغم كل المحاولات لدفعه ألا يسقط، فسقط من ورائه كثيرون ممن كانوا يتمترسون خلفه.
تمر مصر اليوم بحالة مبهجة، لكن هذه الحالة لن تدوم طويلاً إذا لم يتم استثمارها في صالح الشعب، والابتعاد عن المشاحنات السياسية، والتمسك القسري بالسلطة وفق أساليب التأجيل والتخويف والتسويف، فاستقرار الحال في مصر هو استقرار لمنطقة الشرق الأوسط برمتها، وإن حاول البعض التسويق المستمر لقضية الأجندة الخارجية-رغم منطقيتها- لكن يجب ألا يُنسى أن الثورة قام بها شعب شعر بحاجته لما فعل، ومن اقترب من الشارع المصري طوال السنوات الماضية لم تفاجئه الثورة لأنها كانت أمراً مرتقباً.
بقي أمام المصريين الآن التفرغ للبناء من جديد، على الصعيد السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وتأجيل كل الخلافات السياسية بين الأجنحة إلى مراحل قادمة، ولا سيما أن الشعب المصري قال كلمته الأخيرة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، لكن المهم هو: ماذا بعد؟ هل سيقف العسكر موقف المتفرج أم أنهم سيتدخلون في مراحل قادمة؟ وهل ستقدم القوى السياسية-وأهمها الإسلامية- مشروع بناء عام، أم أنها ستحاول الهدم وإعادة تشكيل المجتمع وفقاً لتصوراتها لضمان البقاء في السلطة أطول فترة ممكنة؟
على أي حال، من ولدوا في 25 يناير 2011 سوف يكونون أول جيل ثوري بعد أقل من عقدين من الآن، وإذا ما وجدوا أنفسهم مهمشين، عاطلين، محرومين، فلن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام شعارات وردية اللون، حينها سيكون خروج جيل جديد من رحم الثورة ذاتها للثورة على الثورة!