يحسن تأمل الشمائل النبوية والخصال المصطفوية للنبي صلوات الله وسلامه عليه. من أحلى الذين كتبوا وأجادوا وصف ما اشتملت عليه خصاله وشمائله عليه الصلاة والسلام الإمام الحافظ المسند الشيخ وجيه الدين أبو محمد عبدالرحمن بن علي الديبع الشيباني (866هـ ـ 944هـ) صاحب المؤلفات الحديثية العلمية المشهورة، منها: "تيسير الوصول إلى جامع الأصول" و"مصباح المشكاة" وغيرهما..
للشيخ الديبع جمعٌ متعلق بالسيرة النبوية، أقتصرُ منه على جانب مهم متعلق بالجمال الخَلقي والخُلقي لرسول البشرية صلى الله عليه وسلم، يقول فيه رحمه الله: "كان صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خَلقاً وخُلقا، وأهداهم إلى الحق طرقاً، كان خلقه القرآن، وشيمته الغفران، ينصح للإنسان، ويفسح في الإحسان، ويعفو عن الذنب إذا كان في حقه وسببه؛ فإذا ضُيع حق الله لم يقم أحدٌ لغضبه. من رآه بديهةً هابه، وإذا دعاه المسكين أجابه. يقول الحق ولو كان مراً، ولا يضمر لأحد غشاً ولا ضرا. من نظر في وجهه علم أنه ليس بوجهِ كذاب، وكان صلى الله عليه وسلم ليس بغمَّازٍ ولا عيَّاب، إذا سُر فكأن وجهَه قطعةُ قمر، وإذا كلم الناس فكأنما يجنون من كلامه أحلى ثمر، وإذا تبسمَ تبسم عن مثل حب الغمام، وإذا تكلم فكأنما الدر يسقط من ذلك الكلام، وإذا تحدث فكأن المسك يخرج من فيه، وإذا مر بطريق عُرف من طيبه أنه قد مر فيه، وإذا جلس في مجلس بقي طيبه فيه أياماً وإن تغيب، ويوجد منه أحسن طيبٍ وإن لم يكن قد تطيب، وإذا مشى بين أصحابه فكأنه القمر بين النجوم الزهر، وإذا أقبل ليلاً فكأن الناس من نوره في أوان الظهر. وكان صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان يرفق باليتيم والأرملة. قال بعض واصفيه ما رأيت من ذي لمة سوداء في حلةٍ حمراء أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قيل لبعضهم كأن وجهه القمر، فقال بل أضوأ من القمر إذا لم يحل دونه غمام. قد غشيه الجلال، وانتهى إليه الكمال. قال بعض واصفيه ما رأيت قبله ولا بعده مثله، فيعجز لسان البليغ إذا أراد أن يحصيَ فضله، فسبحان من خصه صلى الله عليه وسلم بالمحل الأسنى، وأسرى به إلى قاب قوسين أو أدنى، وأيده بالمعجزات التي لا تحصى، وأوفاه من الخصال الكمال ما يجل أن يستقصى، وأعطاه خمساً لم يعطهن أحدٌ قبله، وآتاه جوامع الكلم فلم يدرك أحدٌ فضله، وكان له في كل مقامٍ عنده مقال، ولكل كمالٍ منه كمال، لا يحور في سؤال ولا جواب، ولا يجول لسانه إلا في صواب.. وما عسى أن يقال فيمن وصفه القرآن، وأعرب عن فضائله التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، وجعله الله رحمةً للعالمين ونورا، وملأ بمولده القلوب سرورا"..
حبه واتباعه عليه أفضل الصلاة والسلام يؤكدان أن التأمل في هذه المقامة الربيعية البديعة ليس حصراً بشهر ربيع، بل هو في كل وقت، وإن كان لربيع طعم مختلف.
يقول أحدهم على لسانه صلى الله عليه وسلم:
يقول لنا لسانُ الحــالِ منه
وقولُ الحقِّ يعذبُ للسميعِ
فوجهي والزمانُ وشهرُ وضعي
ربيعٌ في ربيعٍ في ربيعِ