أجرت وحدة استطلاع الرأي في مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني استطلاعا للرأي، شارك فيه ما يقرب من 700 شخص، يمثلون أغلب شرائح المجتمع السعودي، ومن مناطقه المختلفة، حول قدرة الوافدين على التأقلم مع عادات وتقاليد هذا المجتمع.. وكان من نتائج الاستطلاع أن 30% من المستطلعين قالوا إن الوافدين لا يجدون صعوبة في التأقلم. ورأى 54% من المستفتين أن تعدد جنسيات الوافدين وتنوع ثقافاتهم واختلاف مشاربهم له آثاره الإيجابية على الثقافة المحلية، مما يؤكد قدرتها على التفاعل مع المختلف، في حين أكد 75% من المستطلعين ترحيبهم بالتواصل مع المقيمين في مواقع العمل والتجارة وتبادل المصالح والمنافع. وأشارت نتائج الاستطلاع إلى أن أسلوب 54% من العينة، يغلب عليه الاحترام والصدق والعدالة في التعامل مع المقيمين وأن 60% يتواصلون اجتماعيا مع جيرانهم من الوافدين.

وقبل تأمل نتائج الاستطلاع وما تستدعيه من خواطر وما تثيره من تساؤلات حول علاقتنا بالوافدين، نؤكد ترحيبنا بمشروع المركز في هذا النوع من الدراسات التطبيقية التي تساعد على فهم الرأي العام ورصد الاتجاهات السائدة في المجتمع، وقياس أسلوب تعامله مع "الآخر" بطريقة علمية بدلا من الاستمرار في المنهج "الانطباعي" الذي يركن إلى التجربة الشخصية والحوادث الفردية أو السمعة الغالبة على منطقة معينة أو شريحة ضيقة فيعطيها صبغة التعميم. والأساليب القديمة، التي لا تستند إلى البحث الميداني والمعايير العلمية، لم تعد صالحة للحكم على "المتغير" الاجتماعي أوالتوجه الفكري أوالخطط التنموية، فضلا عن كونها "مضللة" إذا اعتمدت عليها قرارات أو خطوات عملية بهدف تكوين رأي عام أو رسم سياسات وأساليب التعامل مع "الآخرين".

نعود إلى حديثنا اليوم المتصل بمدى تأثير ثقافة مجتمعنا على الوافدين وما هي الآثار الإيجابية التي يتركها التواصل معهم على مستقبل العلاقة مع أوطانهم وتنمية المنافع بمفهومها الواسع. وهل نؤثر في ثقافاتهم بحيث يعودون إلى بلدانهم وقد احتفظوا بما يبقينا في مشاعرهم وعقولهم مجتمعا متحضرا يتمتع بقيم إنسانية تحكم معايير تعامله مع "الإنسان" بوصفه إنسانا مكرما، بغض النظر عن مرجعيته الثقافية أو جذوره العرقية أو جهته الجغرافية..؟

لا نحتاج إلى التذكير بأن مسيرة "تواصل" إنسان هذه البلاد مع العالم الخارجي ممتدة آلاف السنين، تحييها وتجددها، كل عام، دعوة إبراهيم عليه السلام، حيث تفيض ملايين الأرواح من كل أقطار الدنيا ميممة بلادنا يسبقها الشوق وتسرع بها اللهفة لرؤية المواقع المقدسة، هذا "الكنز" الرباني الموهوب لهذه الأرض وإنسانها، تحمل مشاعر الود والاحترام والتقدير لرعاته والقائمين على خدمته.

والحديث عن "الوافدين" على الإجمال باعتبارهم "وحدة متشابهة" قد يقود إلى سوء الفهم، كما قد يفضي إلى حكم غير دقيق، مبعثه الاختلاف الجوهري بين موروث هؤلاء الوافدين وتعدد مشاربهم وتنوع ثقافاتهم وتباين تقدم مجتمعاتهم وتطور النظم التي تحكمهم. ولهذا أرى تقسيمهم إلى ثلاث دوائر: الوافدون من الدول والمجتمعات العربية، حيث الاشتراك معهم في اللغة والثقافة والاقتراب من التشابه في الكثير من العادات.. والوافدون من المجتمعات والدول الشرقية، على اختلاف بيئاتهم وعقائدهم وعاداتهم. وفي هذه الدائرة يبرز حاجز اللغة إلى جانب الاختلاف في العادات والقيم بل والمعتقدات الدينية مع الكثيرين منهم. وفي الدائرة الثالثة يمكن استيعاب الوافدين من الدول والمجتمعات الغربية، رغم اختلافهم.

وإذا كان الوافدون من المنطقة العربية لا يواجهون مشكلة اللغة واختلاف الثقافة ولا يشعرون بغربة العادات فإن "حواجز صناعية" تقف في طريق التواصل الكامل. وهذه الحواجز تبنيها الفوارق المادية وأهداف المغتربين من وجودهم، التي تدفعهم إلى "الاقتصاد" في الإنفاق والإحجام عن ارتياد الكثير من الأماكن التي يرتادها الموطنون، فالدخل والمستوى المادي يجعلهم بعيدين، بعض الشيء، عن الاختلاط السلس مع الكثير من المواطنين.. وهذه الحواجز الاقتصادية تواجه غالبية الوافدين من المجتمعات الشرقية مضافا إليها حواجز اللغة والعادات والثقافة والمعتقد عند البعض.. وبتراكم هذه "الحواجز" على مر سنوات الطفرة، الأولى والثانية، نشأ مفهوم عام في المجتمع – يحتاج إلى دراسة تطبيقية تقيس درجته - مؤداه أن العلاقة مع هذه الفئة من الوافدين –من المجتمعات الشرقية - تقوم على أساس "المنفعة" التي لا تمهد الطريق لتكوين علاقة اجتماعية تسمح بالتأثير المتبادل. أما الوافدون من المجتمعات الغربية، وهم من أصحاب الدخول العالية والوظائف السامية، فنظرة غالبية أفراد مجتمعنا إليهم تختلف عن نظرتهم إلى بقية الوافدين، حيث يمثلون لهم "حضارة التقدم والاستنارة الفكرية وقيم الحرية". ويعتقدون أن الاقتراب منهم يعد "قيمة مضافة" إلى وعينا وتقدمنا ومقدرتنا على العيش في عصرنا بكل تداعياته ومتطلباته.

هذه النظرة المجملة، التي حاولت أن رسم "خريطة" الفروق العامة بين دوائر ثقافات الوافدين وعلاقة مجتمعنا معهم – إذا كان حالفها الصواب - تجعلنا نتساءل: هل لدينا وعي بأهمية التأثير الثقافي في الوافدين؟ ونحن منطقة جذب ديني واقتصادي؟ وهل لدينا رؤية واضحة الملامح لوسائل هذا التأثير؟ وهل العمل على توفير هذه الوسائل مسؤولية الجهات الرسمية أم هي وظيفة مؤسسات المجتمع، بكل تنوعها واختلاف اهتماماتها؟

سأجازف بالقول إن معظمنا لا تشغله هذه المسألة، ولا يلقي لها بالا، بل إن بعضنا قد يضيق بالحديث عنها إذ يرى فيها استمرارا لترسيخ منهج "الخطاب الواحد" الذي ضيق ثوب الاختلاف ووسع دائرة التشدد. وهذا البعض يظن أن التأثير المتحدث عنه هو المتصل بالدين فقط، ولا يلتفت إلى معناه الواسع المتنوع المتعدد الذي تعرفه البعثات التعليمية والهجرات وتبادل المصالح في كل أقطار الدنيا.. أما الذين اهتموا باستثمار وجود الوافدين بيننا فقد أولوا عنايتهم للتأثير الديني المحض من خلال مشروع "دعوة الجاليات"، وهو نشاط مهم يسهم في تقديم صورة حسنة عن بلادنا؛ لكنه غير كاف في نظري، لأن نشاطه يهتم بشريحة معينة في دائرة محددة، وأعتقد أن "رسالة" التأثير الإيجابي هي مسؤولية حضارية يؤديها المجتمع، في عمومه، حين تعمق معاهده العلمية ومراكزه الاجتماعية ونواديه الترفيهية مبادئ تقدير الإنسان والترحيب به وحفظ مساحة الاختلاف معه دون أن تنتقص من احترامه.

قد يرى الكثيرون أن هذه القضية من قضايا "الترف" التي لا تستحق أن تشغل مساحة من صحيفة سيارة تعنى بهموم الحياة والناس.. ولهذا الرأي احترامه ووجاهته؛ لكنه لا يصرف المؤمنين عن ضرورة الأخذ بأسباب زيادة التواصل مع الآخرين.