حالة من الزهو الثقافي والحضاري تحيط بك وأنت تتأمل معروضات روائع الآثار السعودية، كل هذا الامتداد الحضاري الضارب في أعماق التاريخ يمثل أصلنا المعنوي والثقافي، ونمثل نحن امتدادا فعليا له، ذلك الامتداد الذي يتحول معه الإنسان السعودي من مجرد فرد في دولة نامية إلى عنصر امتداد ثقافي، حرث بأحلامه وأفكاره وطموحه أرضا حرثتها حضارات قديمة من قبله.
قطع أثرية من هذه الأرض السعودية تعود إلى آلاف السنين ومن مختلف مناطق المملكة، ليست آثارا للعابرين فقط، بل هي آثار لحياة وتفاعل وواقع واقتصاد وثقافة كانت في يوم من الأيام واقع هذه الأرض.
هذا الواقع الغني بالآثار في كل المناطق السعودية، يعيد لنا تعريف فكرة البحث عن الأصل من كونه واقعا سلبيا ضيقا يتوقف عند الجد السادس والسابع، لتصبح رحلة البحث حضارية واعية بكل ما تعنيه كلمة الاتصال الحضاري من مراحل، نتحول نحن معها من كوننا لحظة بداية لنكون لحظة استئناف، لبدايات ضاربة في عمق التاريخ.
في الرابع عشر من شهر ربيع الآخر العام 1429 للهجرة، صدر قرار سام حسم قضية التعدي على الآثار وأمر بوقف جميع أنواع التعديات على مختلف المواقع الإسلامية، ذات القيمة الدينية والروحية والحضارية والعمرانية.
وفي الواقع فإن دولة بحجم المملكة العربية السعودية هي الأولى بأن تتحول لديها الآثار من مجرد جهاز وإدارة حكومية لتصبح مشروعا وطنيا حقيقيا، وبخاصة في أزمنة التحولات الثقافية الواسعة التي تحتاج فيها الدول للمزيد من القيم التاريخية التي تعكس معاني الامتداد والرسوخ الحضاري، وتمنح الوجدان السعودي حالة من الاتساع الذي لا يتوقف عند حدود سنوات، بل نخرج من قياس عمرنا بالسنوات إلى قياسه بالحضارات.
الأسبوع الماضي وفي متحف البرغامون في العاصمة الألمانية برلين، تم افتتاح معرض روائع الآثار السعودية، وليس من التصنع أن يتم تسميتها (روائع) لأن حجم الدهشة والانبهار التي ترتسم على ملامح كل زوار تلك المعروضات تؤكد فعلا أنها مجموعة من الآثار الرائعة، التي تأتي روعتها من حجم ما تكشفه من واقع تاريخي حضاري لهذه الأرض، ومن حجم تأثيرها في كشف علاقة هذه الأرض بالإنسان بانيا ومؤثرا ومقيما لعمارة الأرض التي هي جزء من حكمة خلق الله للبشر.
لقد انشغلنا فيما مضى بالكثير من المخاوف التي أثبت الزمن كيف بالغنا في تضخيمها، إلى الدرجة التي كانت توشك أن تصيبنا بنوع من الاجتثاث الثقافي وأن نتحول معها إلى مجرد كيان طارئ على الواقع ومنبت الصلة عن أي فعاليات حضارية سابقة.
إن أصحاب الوعي الحقيقي هم الذين يدركون أن أفضل تقديم للإسلام ورسالته العظيمة؛ يتم من خلال توضيح حجم الحضارات التي مرت بهذه الأرض التي اختارها الله لنزول رسالته الإسلامية، فالدين القويم هو الذي تتضح قوته من خلال كونه قيما على حضارات سابقة، وليس في أرض جرداء خالية من أي واقع حضاري، بل يشير بعض العلماء إلى حرص القرآن الكريم على ذكر القصص السابقة والتذكير بآثار تلك الأمم، وأهميتها لا على مستوى العظة والعبرة فقط، وإنما على مستوى تعميق صورة الإسلام كفاعل ومؤثر حضاري وسط حضارات متتالية.
الآن، لا بد من استيعاب أن السؤال العام في السعودية سيكون كالتالي: لماذا لا نرى هذه الآثار كمعروضات في الداخل السعودي، ولدى الهيئة العامة للسياحة والآثار أكثر من إجابة، إذ إن قطاع الآثار في الهيئة، وانطلاقا لا من دوره الوظيفي، وإنما من دوره الوطني التنموي، يعمل على تعميق الآثار السعودية، لتصبح جزءا من مشهد كل مدينة سعودية. وبما يعكس آثار تلك المنطقة وتاريخها، وبالتالي آثار المملكة وتاريخها بالكامل.
من المهم للغاية وحين يزورنا وفد أجنبي أن نتجه به لزيارة برجي المملكة والفيصلية مثلا، لكن هذا الواقع قد لا يكون بتلك القيمة المؤثرة إذا لم يكن لدينا ما يؤصل حضوره التاريخي والحضاري، المشكلة أن لدينا كل ذلك، فكل مناطق المملكة تحظى بواقع أثري مهم وواسع للغاية، لكنه بحاجة إلى إدارة ترمم في الذات الوطنية قيمتها الحضارية الكبرى، أظن أننا نضع أولى خطواتنا الآن على الطريق الصحيح.