مهما حاول المرء أن يهضم قرار اتحاد كتاب روسيا بمنح جائزتهم للرئيس السوري بشار الأسد، سيصاب حتما بعسر هضم. ولفترة طويلة حاولت أن أرسم في الخيال صورة مختلفة عن روسيا وحاكيت نفسي كثيرا، متخيلا، أن روسيا ضحية الصورة النمطية التي تخفي تحتها حياة حافلة بالآداب والفنون، وأنها نخبوية تحمل في إرثها الثقافي نزعة إنسانية. حاولت الاقتناع أن روسيا ونخبها ضحية الفكرة الشيوعية وضحية الفكر الشمولي وأنها حين تتحرر إنما ستبدي الوجه المختلف الذي سيكون إضافة هائلة لمجموع الإنسانية.
لكن منح الجائزة لبشار الأسد بالتحديد، في هذا العام، أو حتى في أي عام كان أو سيكون لا تبرهن إلا عن الوجه القبيح لمانحي الجائزة. والفارق اليوم، وللأسف وللمفارقة، أن كتاب روسيا يصبغون الوسام على الديكتاتور وهم تحت مظلة الحرية، ولو أنها منحت قبل عقدين من الزمن لربما كان الجميع سيعطيهم العذر بذريعة أنهم بلا خيار أو أنهم مرغمون بقرار سيادي.
يبرهن المثقف الروسي ذات طباع الدب التي لا تتبدل كثيرا بتغيير الظروف. هو ذات الدب وذات القبضة وذات المخالب سواء كان في قفص الحديقة أو في الهواء الطلق. وكما أشار الكاتب الكبير، سمير عطا، فإن ثقافة الحرية تحتاج إلى قرون طويلة من العمق. الثورة على الأنظمة لا تعني تلقائية فهم الحرية وهذا ما تبرهنه نخب روسيا بعد أكثر من عقدين على سقوط الشمولية وحكم الاستبداد. وأنا أضيف أن الشمولية والاستبداد في بعض الأحيان ليست مجرد منتج تلقائي من الأنظمة.
أحيانا أشك أن المكون – الجيني – والوراثي لشعب ما أو منظومة عرقية تزرع في ذاتها – جين – الاستبداد وتستمطر النزعة إلى الكبت. تأملوا قناة – روسيا اليوم – وقارنوها بفضائيات الدول والشعوب الكبرى لتدركوا أن الفوارق بينها وبين قنوات الجماهيرية أيام الطاووس لا تختلف كثيرا في الجوهر. تابعوا قناة سوريا الرسمية هذا المساء لتكتشفوا أن ضيوف الأستوديو المفتوح يأتون من أمام – الكرملين – في صورة فجة وبلغة منقرضة. أما الفضيحة الكبرى فهي جائزة الكتاب التي يمنحها المثقف الروسي لقاتل في هذه الظروف.