لم يجد ذلك الصحفي الأجنبي الذي اجتمع بي قبل أسبوع من الآن ما ينتقد به موقفنا السياسي، والدولي السعودي، إلا أن قال إننا نستغل مناصبنا الدولية لتمرير رؤيتنا وقيمنا السياسية والدينية والثقافية، كان دليله الوحيد والشاهد الأبرز على كلامه هو موقف المملكة العربية السعودية الذي كان واضحا ومحفزا وداعما لانضمام فلسطين لليونسكو، المنظمة الدولية للتربية والثقافة والعلوم، ويؤكد أن لديه من الأخبار ما تؤكد أن المملكة وقفت بقوة من أجل تدعيم موقف فلسطين في اليونسكو وحقها في الحضور في هذه المنظمة الدولية. هذه التهمة ليست سوى واحدة من المواقف السعودية النبيلة التي تدرك الفرق بين حسابات السياسة وحسابات الثقافة، وإمكانية البحث عن مسار تتخذ فيه المواقف السعودية بعدا منطقيا وعالميا، وقادرا على تحقيق المسؤولية الثقافية والأخلاقية للمملكة، دون الدخول في واقع يؤدي إلى حرج سياسي أو عالمي، إنها إحدى دلائل الوعي الوطني والثقافي لدى رجلنا في اليونسكو، سفير المملكة هناك، زياد بن عبد الله الدريس.

في العام 2006 وحين صدر قرار تعيين زياد الدريس سفيرا للمملكة لدى اليونسكو، أدرك الكثيرون أن ثمة وعيا حقيقيا لدى مؤسساتنا في اختيار الكوادر المناسبة للمواقع التي لا تصلح إلا لها، وأن المسيرة الهادئة للدريس والتي تميز من خلالها بكونه صوتا ثقافيا استطاع أن يخترق دهاليز البيروقراطية وأن يصنع من بعضها مكائن قادرة على الإنتاج الثقافي والمعرفي المتميز، وتجربة مجلة المعرفة كانت أبرز مثال على ذلك.

لم يكن زياد الدريس في يوم من الأيام طرفا في معركة صغيرة، في الوقت ذاته ظل حاضرا في معركة كبرى وحيوية ومتجددة للغاية، هي معركة الوطنية والتنموية والوعي الذي يجب أن يتم تكريسه في مؤسساتنا خاصة تلك المضطلعة بصناعة المستقبل، وتلك المؤثرة في صناعة الوعي العام.

حين أصدرت مجلة المعرفة ملفا عن التعليم في إسرائيل، لم يكن خطاب ذلك الملف الشهير نوعا من الرد على الاتهامات التي طالت مناهجنا، بعد أن عصفت بالعالم أحداث الإرهاب والتطرف بقدر ما كانت نوعا من إبراز النموذج السلبي في التعليم والتعصب الذي يجب علينا الحذر من الوقوع فيه، وحين أصدرت مجلة المعرفة ملفا بعنوان: (الغرب بيتكلم عربي) لم يكن خطاب الملف صراخا بقدر ما كان يتضمن الدعوة إلى إعلام عربي قادر على المنافسة، ودعوة الإعلام العربي لأن يتكلم عربيا. تلك السنوات التي أعادت لمجلة المعرفة موقعها المؤثر رسمت صورة إيجابية للغاية عن وزارة التربية والتعليم، إذ يكفي أن هذه الوزارة قادرة على صناعة منبر إعلامي بهذا المستوى. في الواقع لم نكن بحاجة إلى أن نشغل مقعدنا في اليونسكو إلا برجل مثل زياد، ومما يقدر لسمو وزير التربية والتعليم في هذا الحيز هو تنبه سموه للجيل الجديد من الكوادر الثقافية والإدارية، وإدخالها في مواقع وظيفية ذات أبعاد دولية وعالمية.

في اليونسكو كثيرا ما يختلط الثقافي بالسياسي، وفي موقف المملكة من دخول فلسطين إلى منظمة اليونسكو واحد من فصول ذلك التداخل الذي يمكن من خلاله تحقيق مكاسب سياسية دون أدنى صراع سياسي، لقد كان زياد واحداً من أبطال ذلك الانتصار الذي حول الثقافي إلى مدخل لتحقيق إنجاز يتوازى مع الرؤية السياسية للمملكة في مواقفها من القضية الفلسطينية. حمل الدريس ملفات القضايا الثقافية السعودية المناسبة لواقع اليونسكو، وتحول كثير من المواقع التراثية السعودية إلى عناوين للنقاش داخل أروقة اليونسكو، ونجحت الهيئة السعودية للسياحة والآثار وبجهود واضحة من زياد الدريس في تسجيل مدائن صالح واعتمادها ضمن قائمة التراث العالمي، إضافة إلى الدرعية، وتشمل المحاولات سوق عكاظ وغيرها من المواقع التراثية السعودية. رغم أن عصاه التي يتكئ عليها توجع الإسفلت الباريسي، لأنها ليست من خشب الزان ولا البلوط، إلا أنها تتصالح مع خطواته وهي تنهب ممرات اليونسكو حاملة ملفات وطموحات، وفكرة يؤمن بها زياد أنه رجلنا الذي يجب أن يستيقظ مبكرا كل صباح بتوقيت الرياض وليس بتوقيت باريس.