أن يخصص ناد أدبي مرموق كنادي الرياض الأدبي أمسية للقصة القصيرة جدا فذلك ولا شك يرفد حضورها الذي طالما تراوح بين السرد والشعرية على الرغم من محاولات كثيرة قفزت فوق حائط الكتابة الإبداعية، فلا هي قاربت السرد وفق أسسه ومقوماته، ولا ناوشت الشعر وما انبنى عليه من خصوصية تراكيب واتساق دلالات وانزياحات ليأتي النص معتمدا على النهاية المدهشة والمفارقة المصطنعة فحسب.

لكن ذلك كله لا يعني أن الـ" ق.ق.ج" كما يرمز لها بعيدة عن الشعرية التي تضفي عليها إشراقا يضيء مضمونها، ويفتح أفق السؤال المكنون داخلها، حين يشتغل المبدع على توريط المتلقي في التماهي معه، ومحاولة افتراض إجابة عنه.

وإذا كانت القصة القصيرة فنا سرديا غير يسير كما يصفها الناقد الدكتور جابر عصفور في أحد مقالاته النقدية "لا يبرع فيه سوى الأكفاء من الكتاب القادرين على اقتناص اللحظات العابرة قبل انزلاقها على أسطح الذاكرة‏"، فإن القصة القصيرة جدا أكثر صعوبة، خاصة أن معمارها يقوم على الاقتصاد اللغوي مقترنا بالتكثيف الدلالي الذي يمنح المتلقي والنص فضاء رحبا للقراءة المغايرة والنفاذ إلى أغوار النص، وتفكيك عقده، والسير في متاهاته ثم الاستمتاع بما يخبئه من رسائل وأفكار، إذ المتعة هدف لا يغيب عن الكاتب حين يلج إلى حالته الإبداعية مهما حاول بعضهم التأكيد على رصانة النص والتزامه، وهذا منحى آخر قد أناقشه في مقال لاحق.

لقد عمل النقاد على تحليل بنية النص القصير جدا المتكئة على عنصري الحكاية والمفارقة إضافة إلى المقومات المذكورة آنفا، مؤكدين على أن انتفاء الحكاية يحيل النص إلى خاطرة تهويمية تنتظم فيها الكلمات ذات الحمولات الوجدانية الفياضة، وهذا – في رأيي- يكثر عند بعض "الزهراوات" إذ تملي الطبيعة السيكولوجية للمرأة حضورا إبداعيا من هذا النوع أحيانا، على أن المشهد السردي حفل بمبدعات أتقنّ هذا الفن وبرعن في تقنياته، ومنهن القاصة شيمة الشمري على سبيل المثال.

القصة القصيرة جدا ليست خرقا في نمط الكتابة القصصية، وإنما طفرة فنية متجاوزة واكبت الحاجة إلى تنويع الأساليب والدخول في تقنية القصة من باب الوعي بضرورة مواكبة تطور الأدب في العالم، وعلى النقد السردي احترامها والاشتغال عليها، ومنحها شرعية الحضور كما منحها نادي الرياض الأسبوع المنصرم.