ألجأني ظرفٌ فكري طيب مررت به وسط الأسبوع الماضي أن أعود بعقارب ساعتي، وعجلة زمني إلى الخلف القريب. العودة كانت إلى وثائق الدورة الثالثة لمؤتمر القمة الإسلامي الاستثنائي التي دعا إليها ورعاها خادم الحرمين الشريفين ـ حفظه الله ورعاه ـ بمكة المكرمة. من وثائق المؤتمر الهامة (بلاغ مكة المكرمة) ـ 750 كلمة ـ؛ ورد فيه: نحن ملوك ورؤساء وأمراء الدول والحكومات الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي "نجد أنفسنا اليوم في عهد اختلفت فيه المفاهيم، واختلطت القيم، وعم الجهل.. إننا نستشعر ضمير الأمة الذي عبر عنه علماؤها ومفكروها – جزاهم الله عنا خير الجزاء –.. ينبغي علينا الوقوف وقفة صادقة حازمة مع النفس حول إصلاح شأن الأمة.. إلى آخر ما ورد في البلاغ القديم المتجدد.

أرشيف وثائق المؤتمر المهم تضمن (البيان الختامي) ـ 1776 كلمة ـ وعنوانه: "مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين، التضامن في العمل"؛ وفيه قرر المؤتمر تبني بلاغ مكة، وإعلان أمور في غاية الدقة في ثلاثة مجالات مهمة هي؛ المجال الفكري، والمجال السياسي، والمجال الاقتصادي والاجتماعي. ما يعنيني في هذا المقال هو ما ذكره الزعماء في بيانهم بخصوص المجال الفكري، جاء وبالنص ما يلي: "أكد المؤتمر أن الإسلام هو دين الوسطية ويرفض الغلو والتطرف والانغلاق، وأكد في هذا الصدد أهمية التصدي للفكر المنحرف بكافة الوسائل المتاحة، إلى جانب تطوير المناهج الدراسية بما يرسخ القيم الإسلامية في مجالات التفاهم والتسامح والحوار والتعددية.. أكد المؤتمر على أن حوار الحضارات المبني على الاحترام والفهم المتبادلين والمساواة بين الشعوب أمر ضروري لبناء عالم يسوده التسامح والتعاون والسلام والثقة بين الأمم.. دعا المؤتمر إلى مكافحة التطرف المتستر بالدين والمذهب، وعدم تكفير أتباع المذاهب الإسلامية، وأكد تعميق الحوار بينها وتعزيز الاعتدال والوسطية والتسامح، وندد بالجرأة على الفتوى ممن ليس أهلا لها.. أكد المؤتمر على أهمية إصلاح مجمع الفقه الإسلامي ليكون مرجعية فقهية للأمة الإسلامية". استوقفتني في هذا النص أمور وأمور، أبرزها ـ عندي ـ ترسيخ التعددية، ومكافحة التستر بالدين، وعدم تكفير أتباع المذاهب الإسلامية، وتعميق الحوار.

ذات المؤتمر تبنى بيانُه الختامي أيضاً المصادقة على (برنامج العمل العشري لمواجهة تحديات الأمة الإسلامية في القرن الحادي والعشرين) استناداً إلى رؤى وتوصيات علماء ومفكرين وضعوا برنامجاً عملياً للتنفيذ والتطبيق. البرنامج تكوَّن من بندين أولهما القضايا الفكرية والسياسية، وثانيهما التنمية والقضايا الاقتصادية والاجتماعية والعلمية. ما يهمني هنا البند الأول الذي تضمن إحدى عشرة نقطة هامة، أتوقف لضيق مساحة المقال عند النقطة الرابعة منه، وخصوصاً النقطة الأولى منها، التي نصت على: "التأكيد على ضرورة تعميق الحوار بين المذاهب الإسلامية، وعلى صحة إسلام أتباعها، وعدم جواز تكفيرهم، وحرمة دمائهم وأعراضهم وأموالهم، ماداموا يؤمنون بالله ـ سبحانه وتعالى ـ ، وبالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وببقية أركان الإيمان، ويحترمون أركان الإسلام ولا ينكرون معلوماً من الدين بالضرورة". كما تبنى المؤتمر كذلك التوصيات والتقارير والوثائق الثلاث المهمة للجنة الشخصيات البارزة للمنظمة.

سبع سنوات مضت على قراءة ما سلف، وما زال هناك تأخر ملحوظ في الفهم والتطبيق. ليس خطأً العودة في بعض الأوقات إلى الخلف، فمن ليس له ماض، ليس له حاضر، ولن يكون له مستقبل، والمستقبل علمه عنده وحده سبحانه وتعالى.